تعرف الحكم، ومصدرُه أمامك… ثم تُخطئ في قرارك.

وكثيرٌ ممّا يُنسب إلى ضعف المعرفة يقع هنا: بين الحكم والقرار.

وللخطأ ثلاثة مواضع:

  1. أن يغيب الحكم عنك حين تحتاجه.
  2. أن تحضر المعلومة، فتستنتج منها ما لا تُثبته.
  3. أن تبني عليه نتيجةً لا تعود إلى دليلها.

ثلاثة أخطاء مختلفة، ولكلٍّ منها علاج.

من المصدر والحكم إلى القرارموضع الخطأ
يغيب الحكم عن القرارازدحام · تداخل · تعارض
استنتاج يتجاوز الدليلتجاوز حد الإثبات
لا تعود النتيجة إلى دليلهاتعذر الرجوع إلى الدليل

١ · حين يغيب الحكم عن القرار

قد يبدو القرار بسيطًا: موضوعٌ يُعرض، وصاحبُ صلاحيةٍ يعتمد، ثم يبدأ التنفيذ.

لكن وراءه أحكامٌ من مصادر كثيرة: نظام، ولائحة، ومتطلباتُ جهةٍ مشرفة، وقرارُ مجلس، وتفويض، واختصاصُ لجنة، وإجراءٌ داخلي.

وقد يعرفها المختصّ كلها، ومع ذلك يغيب أحدها عند القرار؛ لا لأنه يجهله، بل لأنه بقي في مرجع، أو ضاع بين نسخ، أو لم يصل إلى مرحلة الاعتماد.

أن تعرف الحكم، لا يعني أنك ستتذكّره وقت الحاجة.

وهنا يجب التمييز بين ثلاث مشكلات تتشابه في ظاهرها: الازدحام، والتداخل، والتعارض.

المشكلةصورتهاما يحدثالمعالجة
ازدحامأحكامٌ لا تتعارضسقوط متطلبتنظيم العمل حتى يظهر كل متطلب في وقته
تداخلحكمان على عمل واحدخلط بين حكمينتحديد وظيفة كل حكم ونطاقه
تعارضأمران لا يجتمعانحسم بلا سندالعرض على صاحب الاختصاص

الأولى: الازدحام

أحكامٌ كثيرة، كلها صحيحة، ولا تتعارض.

لكن أحدها يسقط من العمل.
مثلًا: يستكمل المسؤول متطلبات اعتماد القرار، ويغفل إجراءً يجب قبل تنفيذه.

وعلاجه أن تنظّم العمل، حتى يظهر كل متطلب في المرحلة التي يُحتاج إليه فيها، ويعرف المسؤول كيف يتحقق من استيفائه.

الثانية: التداخل

حكمان على عمل واحد، ولكلٍّ منهما وظيفة: أحدهما يحدد من يملك الاعتماد، والآخر يشترط إجراءً قبله.
فيُستوفى أحدهما، ويُظنّ أن الآخر استُوفي معه.

وعلاجه أن تحدد وظيفة كل حكم: ماذا يطلب؟ ومن المسؤول عنه؟ ومتى؟ وهل يُغني استيفاؤه عن غيره؟

الثالثة: التعارض الحقيقي

حكمان يطلبان أمرين لا يجتمعان في الحالة نفسها.
لكن ليس كل اختلاف تعارضًا؛ فقبل الحكم بالتعارض يُفحص المصدر، والنطاق، ودرجة الإلزام.
فإن ثبت، فلا يُعالج باختيار الحكم الذي نفضّله، ولا بصناعة توافق لا سند له، بل يُعرض على صاحب الاختصاص، ومعه الحكمان ومصدراهما وموضع التعارض.

التنظيم يكشف التعارض، لكنه لا يمنح صاحبه سلطة حسمه.

والخطأ في التشخيص يجعل العلاج مشكلةً جديدة: فليس كل ازدحام يحتاج إلى تصعيد، ولا كل تداخل تعارضًا، ولا كل تعارض يعالجه جدول أو قائمة تحقق.

٢ · حين نستعمل المعلومة بأكثر ممّا تُثبت

وقد تصل المعلومة إلى القرار، ثم نُخطئ في حدود ما تُثبته.

فوجود المستند لا يعني أنه يُثبت كل ما نريد.

وصدور القرار لا يعني أنه نُفّذ.

واكتمال الإجراء على الورق لا يعني أن أثره تحقق.

قد تكون المعلومة صحيحة، ويكون استنتاجك منها خاطئًا.

الصحيح

المعلومة ← ما تُثبته فعلًا ← نتيجة في حدود الدليل

الخاطئ

المعلومة ← تجاهل حدود إثباتها ← نتيجة تتجاوز الدليل

وصلت المعلومة… لكننا استنتجنا منها ما لا تُثبته.

ولهذا أسأل عن كل معلومة سؤالين مستقلين: هل هي ثابتة؟ وهل نحتاجها في هذا القرار؟ ومنهما أربع حالات، لكلٍّ منها فعل:

المعلومةنحتاجها الآنلا نحتاجها الآن
ثابتةنبني عليها بقدر ما تُثبت.نحفظها حتى يحين موضعها.
غير ثابتةنسمّي الدليل الناقص، ونوقف ما يتوقف عليه حتى يُستكمل.لا نعطّل القرار بسببها، ونعود إليها إن احتجناها.

أوقِف ما يتوقف على الدليل الناقص، ولا تعطّل ما يمكن إنجازه بدونه.

مثال توضيحي

صدر قرار بتوسيع صلاحية أحد المسؤولين، فلمّا حاول استعمالها لم يظهر أثرها في النظام التنفيذي.
ماذا نعرف؟ أن القرار صدر، وأن أثره لم يظهر.

وماذا لا نعرف؟ هل عُدّل إعداد النظام؟ هل هناك سبب فني؟ هل تأخر إجراء آخر؟ هل أهمل أحد؟

فإذا كتب أحدهم: «تعطّل التنفيذ بسبب إهمال المسؤول»، فقد كتب ما لا يُثبته ما لدينا.

والعبارة المنضبطة: «صدر القرار، ولم يظهر أثره عند الاستعمال، ولم يثبت سببه بعد».

والخطوة التالية: مقارنة سجل إعداد النظام وتعديلاته بما صدر في القرار.

قبل فحص الدليل

«تعطّل التنفيذ بسبب إهمال المسؤول».

بعد مراجعة الدليل المتاح

«صدر القرار، ولم يظهر أثره عند الاستعمال، ولم يثبت سببه بعد».

٣ · حين لا تعود النتيجة إلى دليلها

قد يكون التقرير مرتبًا، والتحليل مقنعًا، والصياغة جميلة.
ويبقى سؤال: هل تعود كل نتيجة فيه إلى دليل؟ ولهذا أراجع العمل في اتجاهين:

المراجعة الأمامية: من المصدر والواقعة، إلى التحليل، إلى النتيجة.
وأسأل: هل حملنا ما لدينا إلى النتيجة؟

والمراجعة العكسية: من النتيجة، إلى الواقعة التي تسندها، إلى مصدر إثباتها.
وأسأل: من أين جاءت هذه النتيجة؟

المراجعة الأمامية

المصدر والواقعة ← التحليل ← النتيجة

هل حملنا ما لدينا إلى النتيجة؟

المراجعة العكسية

النتيجة ← التحليل ← المصدر والواقعة

من أين جاءت هذه النتيجة؟

فإن لم أصل إلى دليل، فحُسن الصياغة لا يعالج المشكلة: إمّا أن أستكمل الدليل، أو أقيّد النتيجة حتى لا تتجاوز ما ثبت.

النتيجة الجيدة ليست التي تُقنع، بل التي تعود إلى دليلها.

ثم اختبار الكسر

لا يكفي أن تنجح الطريقة في الحالات المعتادة.
أختبرها بما قد يكسرها: دليل غائب، ومعلومات متعارضة، وحالة لم تُصمَّم لها.

وأسأل: هل تُظهر نقصها، أم تعطيني جوابًا يبدو صحيحًا بلا سند؟

لا أثق بالأداة لأنها أعطت جوابًا؛ أثق بها حين أعرف متى تقول: لا دليل كافيًا.

ماذا أُسلّم بعد الفحص؟

لا تكفي نتيجة مختصرة؛ يجب أن يعرف من يستعملها حدودها.
وفي مثال الصلاحية:

بطاقة الفحصبيانها
ما ثبتصدر قرار يوسّع الصلاحية، ولم يظهر أثرها عند الاستعمال.
ما لم يثبتهل عُدّل إعداد النظام التنفيذي؟ وما سبب غياب الأثر؟
الدليل المطلوبمقارنة القرار بسجل إعداد النظام وتغييره.
الموقف المهنيلا يُنسب الإهمال، ولا يُثبت سبب بلا دليل.

فالأداة التي تنتقل إلى غيري يجب أن تنتقل معها شروط استعمالها وحدود ما تُثبته، لا شكلها فقط.

٤ · كيف تحوّلت قراءتي إلى طريقة أعمل بها

منذ بدأت في الحوكمة لم يكن هدفي أن أجمع الأنظمة واللوائح والمراجع.

كان سؤالي: كيف يعمل ما أقرؤه داخل المنشأة؟ فحين أقرأ حكمًا لا أقف عند معناه.
أسأل: ماذا يتطلب تطبيقه؟ صلاحية تُحدد؟ أم مسؤولية تُسند؟ أم مسار قرار؟ أم شرط تحقق؟ أم دليل يُثبت أن المطلوب نُفّذ؟

لا تنتهي قراءتي عند فهم الحكم؛ بل تبدأ منها محاولة تصميم عمله.

وأحفظ لكل نص مرتبته: الملزم يبقى ملزمًا بحدوده، والاسترشادي لا أرفعه إلى الإلزام لأني وجدته نافعًا.
ثم أحوّل ما أتعلمه إلى أسئلة، وأدلة عمل، وقوائم تحقق أعود إليها.
فالسؤال الذي يتكرر لا أتركه لذاكرتي؛ أحدد متى يُطرح، ومن يحتاج إجابته، وما الذي يتوقف عليها.

حين تتزاحم أدواتي

ومع الوقت تتعدد الأدوات، وقد أجد أداتين متشابهتين.
فلا يكفيني اختلاف الاسم لأعدّهما اثنتين، ولا تشابهه لأدمجهما.
أسأل عن وظيفة كلٍّ منهما: ما المشكلة التي تعالجها؟ وما الذي تحتاجه؟ وما الذي تنتجه؟ ومتى تقدم ما لا تقدمه الأخرى؟

ثم أقرر:

  • أُبقي ما له وظيفة مستقلة يحتاجها العمل.
  • وأربط ما تكمّل مخرجاته غيره.
  • وأدمج ما يؤدي الوظيفة نفسها بلا فقد مؤثر.
  • وأستبدل ما وُجد ما يؤدي غرضه على نحو أنفع.
  • وأُبقي خيارين إذا كانت لكلٍّ منهما حالته.

وكما أميّز بين الأحكام قبل معالجتها، أميّز بين الأدوات قبل جمعها.

فكثرة الأدوات ليست دليل جودة، وقلتها ليست إنجازًا.
المهم أن أعرف وظيفة كل أداة، ومتى أستعملها، ومتى لا أحتاجها.

حين أراجع ما بنيته

لم تصل طريقتي إلى صورتها الحالية من أول محاولة.

نقضت بناءها من أوله وأعدته، واحتفظت من القديم بما بقي نافعًا.
ثم صار التحسين في الغالب موضعيًا: أستبدل أداة، أو أوضح وظيفة، أو أضيف خيارًا، أو أزيل تكرارًا.
ولا أغيّر لأجل التغيير؛ فكل تعديل يجب أن يضيف قدرة، أو يعالج خللًا، أو يمنع فقدًا.

ومن هذا العمل تخرج مقالاتي

كثير ممّا أكتبه لم يبدأ مقالًا.
بدأ سؤالًا عند قراءة، أو مشكلةً في تصميم أداة، أو مقارنةً بين طريقتين، أو خطأً كشفه اختبار.
أعمل على الفكرة أولًا، فتصير دليلًا أو رسمًا أو طريقة عمل، ثم أكتب منها ما يستحق.
ولهذا انتقل ما أنشره من بيان الأفكار إلى تشغيلها؛ لأن التشغيل هو ما كنت أبنيه من البداية.

لا أبحث دائمًا عن فكرة لأكتب مقالًا؛ أجد أثناء العمل فكرةً تستحق أن تصير مقالًا.

ولهذا أنشر ما تعلمته من التجربة، وأتمنى أن يفعل كل مختص ذلك.

لا تكتفِ بأن تقول ماذا تعرف؛ شارك كيف تعمل.

اكتب ما نجح معك، وما أخطأت فيه ثم صححته، مع حفظ أسرار العمل.

فقد ينتفع غيرك بتجربتك؛ فزكاة العلم نشره، ولعل الله يفتح لك به من حيث لا تحتسب.

  1. القراءة: بسؤال التشغيل.
  2. التصميم: أين يعمل الحكم؟ وكيف؟
  3. المفاضلة: إبقاء · ربط · دمج · استبدال.
  4. الاختبار: اعتماد · تحسين أو إعادة بناء.

ما يكشفه الاختبار يعود إلى موضعه من البناء.

وكيف لا تصير طريقتي ازدحامًا جديدًا؟

كلما اتسع العمل زادت المراجع والمهام والأدوات والأسئلة المفتوحة.

لا أعوّل على أن أتذكر كل شيء، ولا على أن يترتب العمل من تلقاء نفسه.

فاستعملت سبورة يتبدل محتواها بحسب ما يحتاج إلى متابعة، ومراجع وأدلة عمل أعود إليها عند الحاجة، وتطبيقات لإدارة المهام، والذكاء الاصطناعي في تطوير الأفكار ومراجعة العمل، وغيرها من الوسائل.

ولم أتقيد بنوع أو شكل واحد؛ فكلما تعرفت إلى أداة جديدة جرّبتها، ثم عدّلت وأبقيت ما يلائم طريقتي في العمل، ويساعدني على تنظيم ازدحامه دون أن يقيدني بقالب جاهز.

ولم أبتكر هذه الوسائل كلها؛ بعضها تعلمته، وبعضها اقتُرح عليّ.

  1. إظهار العمل: ما يُتابَع لا يُترك للذاكرة.
  2. تنظيم المراجع: أعرف متى أعود وبِمَ أسأل.
  3. اختبار المخرجات: مراجعة أمامية وعكسية.
  4. تطوير الطريقة: تُعدّل حين يظهر سبب مؤثر.

الأرشفة تحفظ ما لدينا، وتنظيم العمل يُحضر ما نحتاجه وقت الحاجة.

٥ · ما الذي تحميه الطريقة… وما الذي لا تحميه؟

لا أقول إن على غيري أن يستعمل وسائلي.
فقد تنفعني سبورة، ويحتاج غيري أداةً رقمية، وتحتاج المنشأة نظام متابعة يوزع المسؤوليات بين أشخاص.
ما يُنقل هو المبدأ، لا الوسيلة.

ومن يصمّم نظام حوكمة لمنشأة، يحتاج قبله نظامًا يحكم عمله هو؛ فلا يجعل سلامة ما يصمّمه رهينة ذاكرته.

ولكل وسيلة حد:

  • قائمة التحقق لا تضمن صحة الحكم، لكنها تقلل نسيان سؤال مهم.
  • وتنظيم المهام لا يضمن إنجازها، لكنه يُظهر ما لم يُنجز.
  • والمراجعة العكسية لا تكشف كل خطأ، لكنها تختبر صلة النتيجة بدليلها.
  • والمقارنة بين الأدوات تميّز وظائفها، لكنها لا تُثبت نجاحها قبل التطبيق.
  • والذكاء الاصطناعي يعين على الفحص والمراجعة، لكنه لا يصنع دليلًا ولا يملك حكمًا.

التقنية توسّع ما أستطيع فحصه، ولا ترفع درجة ما استطعت إثباته.

ويبقى حد أخير: تنظيم الأحكام لا يمنحني صلاحية حسم تعارضها.
فإن ظهر تعارض حقيقي، فوظيفة الطريقة أن تكشفه، وتجمع وقائعه ومصادره لمن يملك حسمه.
وليس مطلوبًا من كل أداة أن تحل كل مشكلة، ولا من كل مختص أن يملك كل قرار.

وكذلك المنشأة: ليس كل خلل يحتاج سياسةً جديدة أو دليلًا إضافيًا.
قد يكفيه سؤال يُطرح في وقته، أو قائمة تحقق قصيرة، أو حذف خطوة زائدة، أو إظهار معلومة موجودة أمام صاحب القرار حين يحتاجها.

فقد تعرف الحكم، ولا يحضر عند القرار.

وقد تحضر المعلومة، فتستنتج منها ما لا تُثبته.

وقد تصل إلى نتيجة جميلة، لا تعود إلى دليلها.

أحيانًا لا تحتاج المنشأة إلى حكم جديد، بل إلى طريقة لا تُسقط حكمًا قائمًا.

لم يَضِع العلم؛ ضاع موضعه.