«الحوكمةُ لا تبدأ من كثرة الوثائق، ولا من جمال المصطلحات، بل من سؤال السلطة وهي تتحرّك داخل المؤسسة.»
في اجتماعٍ واحد، قد تُقال كلمة «حَوكمة» خمسَ مرّات، ويُراد بها خمسةُ معانٍ. فرئيسُ اللجنة يَسمعها فيَنصرف ذهنه إلى تكوين المجلس وتوزيع الأدوار، والماليُّ إلى الإفصاح والرَّقابة المالية، والقانونيُّ إلى الالتزام بالأنظمة وحماية الحقوق، والمراجِعُ إلى التأكُّد والتحقُّق، والمديرُ إلى حُسن التسيير على إطلاقه. كلمةٌ واحدة، وخمسُ خرائطَ ذهنيةٍ لا تَلتقي. ولا أحدَ منهم مُخطئٌ تماماً، ولا أحدَ منهم مُصيبٌ تماماً؛ فكلٌّ أمسك بطرفٍ من الحوكمة، لكنه إن حَسِب الطرفَ الذي أمسكه هو الحوكمةَ كلَّها، بدأ الخلط.
ومن هذا المشهد الصغير تَبدأ مشكلةٌ كبيرة. فليست مشكلةُ الحوكمة اليوم أنها غائبةٌ عن الخطاب المؤسسي، بل أنها حاضرةٌ أكثرَ ممّا ينبغي، ومفهومةٌ أقلَّ ممّا يجب. هي كلمةٌ تَتردّد في الشركات والجهات العامة واللوائح والتقارير والعروض والاستراتيجيات، حتى يَخال السامعُ أنّ معناها قد استقرّ، وأنّ ما بقي من الخلاف خلافٌ في العبارة لا في المعنى. والتأمّل في استعمالها يَكشف العكس: فاللفظ واحد، والمعاني التي تُحمَل عليه كثيرةٌ متباينةٌ متداخلة.
وهذا التفاوت ليس مسألةً لفظيةً عابرة، بل مدخلٌ إلى اضطرابٍ يَتدرّج: اضطرابٍ في فهم الحوكمة، يَتبعه اضطرابٌ في تصميمها، يَتبعه اضطرابٌ في ممارستها. فمن لم يَضبط ما الحوكمة، عَسُر عليه أن يُميّزها من أدواتها؛ ومن لم يُميّزها من أدواتها، حَسِبَ كتابةَ اللائحة حوكمة، وإنشاءَ اللجنة حوكمة، والإفصاحَ حوكمة. فإذا اجتمعت هذه الظنون في مؤسسةٍ واحدة، كَثُرت فيها أسماءُ الحوكمة، وقَلّت حقيقتها.
ولهذا لا يكون السؤالُ الأوّل سؤالاً معجمياً: ما معنى كلمة «حَوكمة»؟ بل سؤالاً تأسيسياً: ما الشيءُ الذي نُحاول ضبطه حين نتحدّث عنها؟ وأقربُ جوابٍ يَفتح الباب أن يُقال: إنه السلطةُ حين تتحرّك. فحيثما وُجدت سلطةٌ تؤثّر في حقٍّ أو مصلحةٍ أو قرارٍ أو مورد، نَشأ سؤالُ الحوكمة: من يَملك هذه السلطة؟ ومن يُمارسها؟ وبأيِّ حدود؟ ولحساب من؟ وعلى أيِّ معلومة؟ ومن يُراجعها؟ ومن يُسأل عن أثرها؟
ومن دخل إلى الحوكمة من باب الأداة وحدها اختزلها في لائحة، ومن باب الرَّقابة وحدها اختزلها في متابعة، ومن باب الشفافية وحدها اختزلها في إفصاح، ومن باب الإدارة وحدها أذابها في حُسن التسيير. والخللُ ليس في النظر إلى هذه الأبواب، بل في جعل الباب هو البيتَ كلَّه. ومن هنا تَبدأ الحوكمة: لا من كثرة الوثائق، ولا من جمال المصطلحات، بل من سؤال السلطة وهي تتحرّك داخل المؤسسة.
أولًا: لماذا تختلف تعريفات الحوكمة؟
الجوابُ السهل أن يُقال: لأنّ للحوكمة زوايا نَظرٍ متعدّدة. وهو صحيحٌ من وجه، قاصرٌ من وجهٍ آخر.
فبعضُ الاختلاف مشروعٌ تَفرضه البيئات؛ إذ ليست حوكمةُ الشركات كالحوكمة العامة، ولا حوكمةُ السوق المالية كحوكمة القطاع غير الربحي، ولا حوكمةُ شركةٍ مُدرَجة كحوكمة جهازٍ حكومي أو جمعيةٍ أهلية أو شركةٍ عائلية. وكلُّ بيئةٍ تُبرز من المفهوم وجهاً بحسب حاجتها: فمرّةً يَتقدّم المجلس، ومرّةً الحقوق، ومرّةً الإفصاح، ومرّةً المساءلة. وهذا اختلافٌ في موضع التطبيق لا في حقيقة المفهوم، ولا حرَجَ فيه.
لكن وراء هذا الاختلاف المشروع اختلافٌ أعمق: أنّ كثيراً من التعريفات لا تَكشف الحوكمةَ في ذاتها بقدر ما تَكشف زاويةَ صاحبها. فهذا يَصف الإطارَ الذي بَناه في مؤسسته، وذاك الأداةَ التي اعتادها في بيئته، وثالثٌ الجزءَ الذي يَراه الأهمّ، ورابعٌ المجالَ الذي يَنتمي إليه مهنياً.
فالمحاسِبُ يُقرّبها من الإفصاح والرَّقابة المالية، والقانونيُّ يَحملها على الضبط النظامي والحقوق، والمراجِعُ يَربطها بالتأكُّد والتحقُّق، ومختصُّ الالتزام يُنزلها منزلةَ الالتزام بالسياسات والاشتراطات، والإداريُّ يُوسّعها حتى تكاد تَبتلع حُسنَ التسيير كلَّه. وفي كلّ زاويةٍ من هذه قَدرٌ من الصواب، لكنه لا يَكفي وحده لتعريفٍ جامع. فالمشكلة ليست أن يَرى كلُّ تخصّصٍ وجهاً من الحوكمة، بل أن يَحسب الوجهَ الذي رآه هو الحوكمةَ كلَّها.
وقد يَبلغ هذا ببعضهم أن يَجعل الحوكمةَ مرادفةً لأداةٍ من أدواتها، كاللائحة والسياسة والدليل، فيَحسب أنّ تصميمَ الإطار الحوكمي وكتابةَ اللائحة شيءٌ واحد، وبينهما ما بين البناء وأحد حجارته. ومن هنا يَنبغي التفريق بين تعريفين: تعريفٍ يَقصد الحوكمةَ مفهوماً فنياً قائماً بذاته، وتعريفٍ يَصفها من خلال أداةٍ أو تجربةٍ أو إطارٍ مخصوص. الأوّلُ يَبحث في ماهيتها، والثاني يُخبرنا كيف نَزلت في بيئةٍ بعينها.
ثانيًا: حتى المنظمات الدولية تحمل المفهوم في اتجاه مستهدفاتها
وليس هذا الحَملُ شأنَ الأفراد والممارسين وحدهم، بل يَمتدّ إلى المنظمات الدولية الكبرى. فجهاتُ الاستقرار المالي والأسواق تَميل إلى حملها في اتجاه حماية المستثمرين وضبط العلاقة بين الأطراف وتعزيز الثقة في السوق. وجهاتُ التنمية والإصلاح المؤسسي تَربطها بمكافحة الفساد وتقوية المؤسسات ورفع كفاءة الإدارة العامة. وجهاتُ الاستدامة والمسؤولية المؤسسية تَحملها في اتجاه الأبعاد البيئية والاجتماعية والحوكمية.
وكلُّ جهةٍ من هذه صادقةٌ من زاوية عملها، لكنها تَعكس زاويةَ اهتمامها أكثرَ ممّا تَكشف الحوكمةَ في جوهرها العاّم. وهذا لا يُبطل تعريفاتها، لكنه يَحدّها؛ فهي في الغالب تُجيب عن سؤال «الحوكمة لماذا؟» — أي في خدمة أيِّ غاية — لا عن سؤال «ما الحوكمة؟». وفرقٌ بين تعريفٍ وظيفيٍّ مشدودٍ إلى غايةٍ بعينها، وتعريفٍ ماهويٍّ يَطلب المفهومَ في أصله.
ثالثًا: ذكاء تعريف كادبري — وغموض ألفاظه في آنٍ
ومن ألطف المفارقات في تاريخ حوكمة الشركات أنّ أضبطَ التعريفات الفنية المبكرة هو من أقدمها: ما قرّرته لجنةُ كادبري البريطانية عام 1992، إذ عرّفت الحوكمةَ بأنها «النظامُ الذي تُوجَّه به الشركاتُ وتُراقَب». تعريفٌ موجزٌ جداً، لكنه بالغُ الذكاء.
وسرُّ قوّته ليس في قِصره فحسب، بل في خِفّة حَمولته؛ فهو لم يُولد في سياق أجندةٍ بيئيةٍ أو اجتماعيةٍ أو خطاب استدامةٍ أو توسيعٍ معياري، وإنما خرج جواباً عن إشكالٍ فنيٍّ محدّد: كيف تُضبط العلاقةُ بين من يَملك ومن يُدير؟ وكيف تُستعاد الثقةُ في الشركات بعد الإخفاقات المؤسسية؟ — وهو في جوهره سؤالُ السلطة نفسه. ولهذا جاء مُرّكزاً على المركز: «النظام» بمعنى البناء المنظَّم لا الممارسات المتفرّقة، و«التوجيه» من جهة الإشراف الأعلى لا التسيير اليومي، و«الرَّقابة» بمعنى الإشراف والمساءلة لا الحلول محلَّ الإدارة.
على أنّ قوّةَ التعريف لا تَعني أنّ ألفاظه في غِنًى عن البيان. فما «التوجيه»؟ أهو التوجيهُ الاستراتيجي الأعلى الذي يُمارسه المجلس، أم التسييرُ الإداري الذي تُمارسه الإدارة التنفيذية، أم إدارةُ العمل اليومي؟ وما «الرَّقابة»؟ أهي الرَّقابةُ الإشرافية العُليا، أم الرَّقابةُ التشغيلية في صميم الإدارة، أم الرَّقابةُ التقييمية التي تُمارسها المراجعةُ الداخلية، أم الرَّقابةُ اللاحقة ذاتُ الطابع التفتيشي؟ ولفظُ «الرَّقابة» خاصةً من أحوج الألفاظ إلى البيان؛ لأنه قد يُفهم رقابةً تنفيذيةً يومية، بينما المرادُ به في البناء الحوكمي هو الإشرافُ الأعلى وضبطُ مسارات القرار وسلامتها والمساءلة، لا الحلولُ محلَّ الإدارة في تفاصيلها. ومن لم يُحرّر هذه الألفاظ، بَنى على تعريفٍ صحيحٍ فهماً مضطرباً.
رابعًا: ولماذا نعتني بالتعريف أصلاً؟
قد يُقال: ما جدوى هذا الاشتغال بالتعريفات؟ أليس الأهمُّ هو التطبيق والعمل المؤسسي؟ والجوابُ أنّ التطبيق الذي لا يَسبقه ضبطُ المفهوم يَصنع — في الغالب — أدواتٍ كثيرةً في غير مواضعها. فالتعريفُ ليس ترفاً لفظياً، بل مفتاحٌ منهجي؛ به نَعرف ما الذي نُدخله في الحوكمة وما الذي نُخرجه منها، وما نَعُدّه أصلاً وما نَعُدّه أداة، وما نَعُدّه نتيجةً وما نَعُدّه وظيفةً مساندة.
فمن لم يَضبط معناها في أصلها، تَعذّر عليه أن يُميّز بين الحوكمة ومبادئها، وبينها وأدواتها، وبينها ووظائفها المساندة، وبينها ونتائجها، وبينها وما يُجاورها من إدارةٍ والتزامٍ ورقابةٍ ومراجعة. وكثيرٌ من الخلل العملي يَبدأ من هنا: من تعريفٍ مضطربٍ يَجعل الأداةَ هي الحوكمة، أو يَجعل النتيجةَ هي جوهرها، أو يَختزلها في مبدأٍ واحدٍ كالشفافية أو المساءلة. فالمقصودُ من تأمّل التعريفات ليس استعراضَ الأقوال، بل بناءُ عينٍ تُميّز: عينٍ تَرى الحوكمةَ بناءً مؤسسياً أعلى، لا عنواناً فضفاضاً يُعَلَّق على كلّ ما هو حَسنٌ أو منضبط.
خامسًا: الاتجاهات الكبرى في تعريف الحوكمة
وإذا قرأنا التعريفات المشهورة قراءةً تحليلية، أمكن ردُّها إلى أربعة اتجاهاتٍ كبرى، لكلٍّ منها منطقُه وزاويته.
الاتجاه التنظيمي والرَّقابي، وفيه تُفهم الحوكمةُ نظاماً تُوجَّه به المؤسسةُ وتُراقَب، وإطاراً يُنظّم العلاقةَ بين المجلس والإدارة ويَضبط السلطةَ والمساءلة.
والاتجاه الحقوقي والعَلاقاتي، وفيه تُفهم تنظيماً للعلاقات والحقوق والمسؤوليات بين الأطراف المعنية: من يَملك ماذا، ومن يُسأل عن ماذا، وكيف تُحمى الحقوق.
والاتجاه الإداري والمؤسسي، وفيه تَظهر بنيةً عُليا لضبط مسارات القرار والصلاحيات والعلاقات داخل المؤسسة، بما يَمنع التداخل والانحراف، ويَجعل القرارَ جارياً في مسارٍ معلومٍ لا في مزاج الأشخاص.
والاتجاه القيمي والمعياري، وفيه تُقرَن الحوكمةُ بالشفافية والمساءلة والعدالة والنزاهة؛ وهو اتجاهٌ مهمّ، لكنه يَضطرب حين تَنقلب هذه المبادئُ من مكوّناتٍ في البناء إلى تعريفٍ كاملٍ للبناء نفسه.
وهذه الاتجاهاتُ لا يُلغي بعضها بعضاً، لكنها ليست في رتبةٍ واحدة: بعضها أقربُ إلى الجوهر، وبعضها إلى الامتداد، وبعضها يَصف المبدأ، وبعضها يَصف الأثر. والخطأ ليس في تعدّد الاتجاهات، بل في غياب الميزان الذي يَضع كلَّ اتجاهٍ في موضعه.
سادسًا: الجامع، والتعريف المُرجَّح
على الرغم من هذا التفاوت، فإنّ التأمّل يَكشف أنّ أكثرَ التعريفات تَلتقي عند نواةٍ مشتركة: أنّ الحوكمةَ نظامٌ أو إطارٌ منظَّمٌ لا ممارساتٌ متفرّقة؛ وأنها تَتعلّق بالسلطة كيف تُمنح وتُمارَس وتُحَدّ؛ وأنها تُنظّم العلاقات بين الأطراف، وتُحدّد الحقوقَ والمسؤوليات، وتَقوم على التوجيه والإشراف والمساءلة؛ وأنها تَقصد حُسنَ القرار وحمايةَ الحقوق وبناءَ الثقة. وبعبارةٍ أوجز: تَدور أكثرُ التعريفات حول ضبط السلطة والعلاقة والقرار والمساءلة داخل الكيان، بحيث لا تَنفصل الصلاحيةُ عن المسؤولية، ولا القرارُ عن المعلومة، ولا الأثرُ عن القراءة.
فإذا كان لا بدّ من تعريفٍ مُرجَّحٍ يَجمع الأهمَّ دون اختزالٍ ولا تَرهّل، أمكن أن تُعرَّف الحوكمةُ بأنها:
«بنيةٌ عُليا تُعنى بضبط السلطة والعلاقات والصلاحيات ومسارات القرار والمساءلة داخل المؤسسة، بما يُحقّق وضوحَ المسؤوليات، وحمايةَ الحقوق، وعدالةَ التوجيه والإشراف.»
وفي هذا التعريف تَتقدّم السلطةُ لأنها مبدأُ الحركة في الحوكمة؛ فالحوكمة لا تَبدأ من الوثيقة، بل من السلطة حين تُمنح وتُمارَس وتؤثّر. ثم تأتي العلاقاتُ؛ لأنّ السلطة لا تتحرّك وحدها، بل داخل شبكةٍ من الأطراف والمصالح والحقوق. ثم تأتي الصلاحياتُ؛ لأنها الصورةُ النظامية التي تُمنح بها القدرةُ على الفعل. ثم تأتي مساراتُ القرار؛ لأنّ السلطة لا تُختبر في وجودها المجرّد، بل في الطريق الذي يَسلكه القرار حتى يَصدر. ثم تأتي المساءلةُ؛ لأنها الحلقةُ التي تَمنع السلطةَ من الانفصال عن أثرها.
وبهذا لا تكون الحوكمةُ الشفافيةَ وحدها — والشفافيةُ مبدأٌ من مبادئها لا حقيقتها كلَّها؛ ولا الرَّقابةَ وحدها — والرَّقابةُ وظيفةٌ متعدّدةُ المستويات، بعضها داخل الحوكمة وبعضها مجاورٌ لها؛ ولا الالتزامَ وحده — والالتزامُ مجالٌ مساندٌ يَخدمها ولا يُعرّفها؛ ولا الأخلاقَ وحدها — والأخلاقُ روحٌ تُغذّيها ومعيارٌ يَصحبها، لا تَحلّ محلَّ بنائها؛ ولا الإدارةَ — والإدارةُ تشغيلٌ وتنفيذٌ داخل الإطار الذي تَضبطه الحوكمة. فالفرقُ بين هذه العناصر والحوكمة كالفرق بين الأعضاء والجسد الحيّ: قد يكون كلُّ عضوٍ ضرورياً، لكن العضوَ وحده لا يُساوي الجسد. والحوكمةُ هي النَّسَقُ الذي يَضع هذه العناصرَ في مواضعها، ويَربط بينها، ويَمنع أن تَطغى أداةٌ على وظيفة، أو وظيفةٌ على مبدأ، أو مبدأٌ على البناء كلِّه.
ومن أبين ما يَكشف قيمةَ هذا التمييز أنّ بعض المبادئ الحوكمية الكبرى — كالاستقلال مثلاً — لا يُفهم على وجهه الصحيح إلا إذا مُيِّز بين المبدأ نفسه، وأدواتِ تفعيله، ووظيفتِه، ونتيجتِه؛ وذلك بابٌ واسع، لا يَتّسع له هذا المقام.
خاتمة
ليست كثرةُ تعريفات الحوكمة هي المشكلةَ في ذاتها، بل المشكلةُ أن يُسَلَّم لهذا التعدّد بلا فرز، أو أن يُؤخَذ كلُّ تعريفٍ كأنه مساوٍ لغيره في العمق والدقّة. فبعضها يَصف الحوكمةَ في ذاتها، وبعضها يَصف أداةً من أدواتها، وبعضها يَعكس إطارَ أصحابه، وبعضها يَختزلها في جزءٍ منها، وبعضها يُوسّعها حتى تكاد تَذوب في كلّ ما هو حَسنٌ أو منضبطٌ أو مسؤول.
ولهذا فإنّ سؤالَ «ما الحوكمة؟» ليس سؤالاً افتتاحياً بسيطاً نَمرّ عليه في أوّل الطريق، بل سؤالٌ حاكمٌ لكلّ ما بعده. فمن طريقة الإجابة عنه تَتحدّد طريقةُ بناء الإطار، وتصميمِ الصلاحيات، وترتيبِ اللجان، وفهمِ المساءلة، وموضعِ الرَّقابة، وحدودِ الالتزام، ومعنى عدالة القرار. وإذا اضطرب هذا المعنى في البداية، حَمَل كلُّ ما بعده شيئاً من اضطرابه، ولو جاء في أجمل وثيقةٍ وأتقن لائحةٍ وأفخم عرض.
فالحوكمةُ في أصلها ليست شعاراً عن النزاهة، ولا مرادفاً للرَّقابة، ولا اسماً فاخراً للإدارة، ولا ملفاً من الوثائق؛ إنما هي بنيةٌ عُليا تَضبط حركةَ السلطة داخل المؤسسة: من يَملك؟ ومن يُقرّر؟ ومن يَعلم؟ ومن يُراجع؟ ومن يُسأل؟ وكيف يَظهر أثرُ القرار في الحقوق والمصالح؟ فإذا استقرّ هذا المعنى في العين — أنّ الحوكمةَ نواةٌ فنيةٌ لا عنوانٌ فضفاض — أمكن بعد ذلك أن يُفهم كلُّ ما اتّصل بها في موضعه.
ومن هنا تُفتح القراءةُ التالية: كيف اتّسعت النواةُ الفنية للحوكمة حتى اختلطت بامتداداتٍ كثيرةٍ جاورتها، وأثّرت فيها، وكادت أحياناً تَطمس أصلها؟