تَحضر المسؤولية في خِطاب الحَوكمة حُضوراً كَثيفاً، وتَغيب عنه تَحريراً. تُذكر في اللوائح، وتُكرَّر في خُطب التَعيين، وتُدرَج ضِمن قِيَم المؤسسة، ثم لا يَكاد المُمارس يَجد من يَسأل: ما المسؤولية ههُنا تَحديداً؟ ومتى نَقول إنّها قائمة في مؤسسة، ومتى نَقول إنّها سَقطت في الممارسة وإن بَقيت ساريةً في الورق؟

وليست المشكلة في لفظ المسؤولية نَفسه، بل في التِباسها بالحُقول التي تُجاورها. تُلابس المسؤولية الأخلاق فيُحَوّلها بعض النّاس إلى نَصيحة، وتُلابس القانون فيُحَوّلها آخَرون إلى مادّة عُقوبة، وتُلابس الإدارة فيَحسبها فَريقٌ مُجرّد إنجاز للمهامّ. وكلّ هذه الفُهوم فيها صَواب جُزئي، لكنّها لا تُقدِّم المسؤولية على وَجهها الحَوكمي الأَدَقّ.

والذي يَستحقّ التَأمّل أنّ المسؤولية — على خِلاف بقية مبادئ الحَوكمة — تَتَقَدّم من حيث الرُتبة التَأسيسية. فالمُساءلة تَحتاج إليها لتَعمل، والاستقلال يَحتاج إليها ليَكون مَشروعاً، والرقابة تَفقد أَثرها بدونها، وعدالة القرار تَنهار في غِيابها. ولهذا فإنّ السؤال عن المسؤولية سؤالٌ مَركزيّ في الحَوكمة، وإن لم يَكن الأوّل فيها على الإطلاق.

أولًا: حَمل السلطة — المَعنى الذي تَستمدّ منه المسؤولية مَوقعها

كلّ بناءٍ حَوكمي يَفترض ضِمناً أنّ السلطة المُوَزَّعة فيه مَحمولة من جِهةٍ ما. أيّ أنّ كلّ صلاحيةٍ مُعتَمَدة، وكلّ قَرار مُتَّخَذ، وكلّ تَوقيع يَنزل في وَثيقة، تَقف خَلفه جِهَةٌ — فَرداً كانت أو لجنةً أو مَجلساً — تَحمل تَبعَة هذا الفِعل. ومن دون هذا الحَمل، تَكون السلطة مُجَرَّدة عن أَصحابها، وتَصير التَصرّفات بلا نِسبة، وتَنفصل القرارات عَمّن أَنشأها.

ومن هنا تَكتسب المسؤولية مَوقعها المَركزي. لأنّ السلطة إن لم تُحمَل، لم يَكن لها مُمارِس مَعروف يُسأل عنها. وإن لم يُعرَف من يُسأل عنها، لم تَكن المُساءلة مُمكنةً أصلاً. وإن لم تَكن المُساءلة مُمكنة، تَحوّل الاستقلال إلى انفصالٍ يَهرب من السؤال، وتَحوّلت الرقابة إلى مُتابعةٍ بلا اتجاه.

ولهذا فإنّ المسؤولية لا تُقاس بدرجة ذِكرها في اللوائح، بل بدرجة وضوح حامِلها. فإن لم نَكن نَعرف لكلّ سلطةٍ في المؤسسة من يَقوم عليه عِبؤها — وعن ماذا تَحديداً، وفي أيّ حدود — فإنّ الحَوكمة في المؤسسة تَبدأ مُتَهالكةً مهما كانت وَثائقها مُتقَنة.

ثانيًا: تَفكيك المفهوم — المسؤولية كبناء مُرَكَّب

كان مَنهج هذه السلسلة منذ البداية أن نُفرّق بين القِيمة والمبدأ والوظيفة والأَداة والنتيجة، حتى لا تَختلط طبقات الحَوكمة بعضها ببَعض. وحين نُطبّق هذا التَفكيك على المسؤولية، نَجد أنّها لا تَنحَصر في طبقةٍ واحدة، بل تَمتدّ في ثلاث طبقات في آنٍ واحد. وهذا الامتداد ليس خَلطاً، بل هو سِرّ مَركزيتها؛ إذ يَظهر فيها هذا الامتداد بوُضوح خاصّ، قَلّما يَظهر في غَيرها من المبادئ.

في الطبقة الأولى، المسؤولية قِيمة عُليا سابقة على الحَوكمة نَفسها. هي قِيمة إنسانية، أخلاقية، فِطرية. الإنسان يَتَحمّل تَبعَة فِعله. هذا مَعنى قائم في وِجدان البَشر قبل أن تُكتب لائحةٌ واحدة.

وفي الطبقة الثانية، تَدخل المسؤولية إلى البناء الحَوكمي بوصفها مبدأً موجِّهاً. تَقول قاعدته: لا تَكون سلطةٌ في المؤسسة إلا ولها حامِلٌ مَعروف تُنسَب إليه تَبعَتها. وأيّ سلطة بلا حامِل مَعروف، فهي خَرق للمبدأ، حتى لو لم يَنشأ عنها ضَرَر مَلموس بَعد.

وفي الطبقة الثالثة، تَنزل المسؤولية من المبدأ إلى الواقع، فتُصبح وَظيفة مؤسسية تُمارَس. الجِهة المسؤولة تَتَخذ القرار، وتُتابع نَتائجه، وتَستجيب للسؤال عنه، ويَلحقها أَثره. وهذه الطبقة هي ما يَلمسه النّاس في الممارسة، حين يَقولون: فُلانٌ يَتَحمّل المسؤولية فعلاً، أو: فُلانٌ يَتَهرّب منها.

والذي يَجمع هذه الطبقات الثلاث أنّ كلّاً منها يَنبَني على ما قَبله: لا يَكون المبدأ صادقاً ما لم تَستند إليه قِيمة، ولا تَكون الوَظيفة قائمة ما لم يَنزل عليها مبدأ. ومن يَختزل المسؤولية في طبقة واحدة، يَفقد مَعناها المُتَكامل.

ثالثًا: ما ليست المسؤولية؟

من أَدَقّ أَدوات تَحرير المفاهيم أن نَعرف ما ليس المفهوم، قبل أن نَعرف ما هو. والمسؤولية تَلتقي في الاستعمال بثلاثة مَفاهيم قَريبة، فتُختَلَط بها كثيراً. وفَكُّ هذا الاختلاط ضَروري لمن أراد أن يَفهم المسؤولية على وَجهها الحَوكمي.

المسؤولية ليست المُساءلة

كثيرٌ من المُمارسين يَستعملون اللفظَين تَبادُلاً، وكأنّهما مُترادفان. وهذا خَلط منهجي خَطير، لأنّه يَطمس فَرقاً جَوهرياً بَينهما.

المسؤولية سابقة؛ هي تَحمُّل التَبعة قَبل وُقوع الفِعل. تُحَدَّد عند تَوزيع الصلاحية: من يَملك القرار يَلحقه أَثره. وهي تَنبع من الداخل؛ فالشخص المسؤول مَسؤول بِفِعل اعتماد الصلاحية له، لا بِفِعل سؤال أحد له عنها.

أمّا المُساءلة فلاحِقة؛ هي السؤال عن الفِعل بعد وُقوعه. تَحدث حين تَستَدعي الجِهة الأَعلى صاحبَ القرار وتَستوضحه: لِمَ فَعلت؟ وكيف؟ وعلى أيّ أساس؟ وهي تَأتي من الخارج؛ من جهةٍ ذاتِ صلاحيةٍ في السؤال.

وبصياغة أَدَقّ: المسؤولية تُؤسّس مَوضوع المُساءلة، والمُساءلة تَختبر صِدق المسؤولية. فلو كانت السلطة مُوزَّعة بلا مسؤولية واضحة، فإنّ المُساءلة تَفقد مَوضوعها. أمّا إذا كانت المسؤولية واضحة وغابت المُساءلة، فإنّ المسؤولية تَتآكل تَدريجياً؛ لأنّها تَفقد ما يَختبرها.

المسؤولية ليست الصلاحية

هذا الخَلط أَخفّ من الأوّل، لكنّه أَكثر شُيوعاً في الممارسة. إذ يَظنّ بعض المُمارسين أنّ من أُعطيَ صلاحيةً ما، فقد تَحمَّل مسؤوليتها تلقائياً. وهذا غير صحيح من جِهة الفَنّ الحَوكمي.

الصلاحية تَمكين؛ هي تَخويلٌ من جِهةٍ أَعلى لجِهةٍ أَدنى لكي تَتَخذ قراراً في حُدود مُعيَّنة. أمّا المسؤولية فتَبعَة؛ هي الأَثر الذي يَلحق صاحب القرار، وما يَنشأ عن قراره، وما يُسأل عنه لاحقاً.

وقد تَجتمع الصلاحية والمسؤولية في حامِلٍ واحد، وهو الأصل في البناء الحَوكمي السَليم. وقد يَقع — في البناء المُختلّ — انفصالٌ بَينهما: صلاحية بلا مسؤولية = سُلطة طَليقة، لا تُحاسَب على ما تَفعل، ولا يَنشأ عنها أَثر قابل للنِسبة. أو مسؤولية بلا صلاحية = ظُلم بنيوي، تَحميل شخص أو جِهة بتَبعة قرار لا يَملكها. والحالان مَعيبان. ولهذا فإنّ التَوازي بين الصلاحية والمسؤولية ليس تَفصيلاً تنظيمياً، بل شَرط مَشروعية البناء الحَوكمي.

المسؤولية ليست اللَّوم

هذا الخَلط الثالث هو الأَعمق أَثراً في الثقافة العامّة، وهو أيضاً الأَخطر على بناء ثقافة المسؤولية في المؤسسات. إذ يَخلط كثير من النّاس بين تَحديد من يَحمل تَبعَة القرار وبين البَحث عمَّن يُلام على خَطأ وَقع.

المسؤولية في أَصلها مَفهوم بنائي وقائي؛ تُحَدَّد قبل وُقوع الفِعل، وتُنشأ مع تَوزيع الصلاحية، ولا تَتعلّق بالضَرورة بحُدوث خَطأ. القرار النّاجح له مسؤول، كما أنّ القرار الفاشل له مسؤول. والمسؤول عن النَجاح هو ذاته المسؤول عن الفَشل، لأنّ الحامِل واحد، والأَثر مُتَّصل بالقرار لا بنتيجته.

أمّا اللَّوم فمَفهوم ردّي عُقوبي؛ يَنشأ بعد وُقوع خطأ ما، ويَتجِه إلى البَحث عن الجاني الذي يَتحمّل العاقبة.

والخَلط بَينهما يُنتج اضطراباً في الثقافة المؤسسية: يَنشأ شُعور بأنّ الحديث عن المسؤولية تَهديد بالعُقوبة، فيَتجنّبه النّاس، ويَفضّلون البقاء في الغُموض. وهذا يُضعف البناء الحَوكمي من جِذره.

رابعًا: المسؤولية كَشَرط مَشروعية السلطة

كلّ سلطة في المؤسسة تَحتاج إلى ما يُبَرّرها. ولا يَكفي في تَبرير السلطة أن تَكون مُعتَمَدة شَكلياً في وثيقة أو مُكتَسَبةً بقَرار تَعيين؛ لأنّ الاعتماد الشَكلي يُعطيها وُجوداً تنظيمياً، لكنّه لا يُعطيها مَشروعية حَوكمية. والفَرق بَينهما دَقيق.

السلطة قد تَكون مَوجودة في الهيكل، ومُعتَمَدة في اللائحة، ومُمارَسَة بالفِعل، ومَع ذلك تَكون مَشروعيتها الحَوكمية مَطعوناً فيها. متى يَحدث ذلك؟ حين تُمارَس السلطة بلا مسؤولية تُلازمها. لأنّ السلطة في جَوهرها تَأثيرٌ على الآخَرين — على أصحاب المصلحة، على المؤسسة، على القرارات، على الموارد. وهذا التَأثير لا يَكون مَشروعاً ما لم يَكن قابلاً للنِسبة، وقابلاً للسؤال، ومرتبطاً بأَثره. وهذه الثلاثة هي ما تَصنعه المسؤولية.

ولهذا فإنّ السلطة بلا مسؤولية تَتَحوّل إلى نُفوذ. والفَرق بَينهما عَميق: السلطة المَشروعة سُلطةٌ مَحدودة الحُدود، مَعروفة الحامِل، قابلة للسؤال؛ تَستمدّ مَشروعيتها من اقترانها بالمسؤولية. أمّا النُفوذ فتَأثير غير مَحدود الحُدود، مَجهول الحامِل أحياناً، عَصيّ على السؤال؛ يَستمدّ بَقاءه من قُدرته على التَملّص من المسؤولية.

والمؤسسات التي تَختلّ فيها الحَوكمة، لا يَختلّ فيها وُجود السلطة — إذ السلطة دائماً مَوجودة بشَكل ما — وإنما يَختلّ فيها اقتران السلطة بالمسؤولية. تَجد قرارات تُتَّخذ، وأَثَرها يَقع على المؤسسة، ولا يَكاد يُعرف من أَنشأها. وتَجد صلاحيات تُمارَس، ولا يُسأل عنها أحد. وهذه كلّها مَظاهر تَفكُّك بَين السلطة والمسؤولية، وكلّها مَظاهر فَقدٍ للمَشروعية الحَوكمية.

خامسًا: أنواع المسؤولية في البناء الحَوكمي

حين تُذكر المسؤولية في الخِطاب الحَوكمي، تُذكر في الغالب بصيغة عامّة، كأنّها مَفهوم واحد بسيط. وهذه العُمومية مَصدر اضطراب؛ لأنّ المسؤولية في البناء المؤسسي ليست واحدة، بل أَنواع مُتداخلة، لكلٍّ منها مَنطقها وحامِلها وحُدودها. وأَهمّها في سياق الحَوكمة ثلاثة:

المسؤولية الائتمانية (Fiduciary Responsibility) هي أَعمقها مَعنىً، وأَقلّها فَهماً في الخِطاب العربي. تَنشأ حين يُعهَد إلى شخصٍ أو جِهة بإدارة شَأنٍ ليس مِلكاً لها، بل أُمانةً مَوضوعة عندها لمصلحة طَرفٍ آخَر. ومن يَحمل هذه المسؤولية يَلتزم بأن يَعمل لمصلحة الجِهة التي اؤتُمن على رعاية شَأنها، وأن يَتَجنّب كلّ ما يُفسد اتجاه القرار عن المصلحة المَوكولة إليه. وهي المسؤولية المَركزية لمَجلس الإدارة تجاه المؤسسة وأصحاب المصلحة فيها. وكلّ خَلل فيها خَرق ائتماني، لا مُجرّد خَطأ إداري.

المسؤولية القانونية والتنظيمية هي ما تُحدّده الأنظمة واللوائح من تَبعات تَترتّب على بعض القرارات أو التَصرّفات. لها نُصوص واضحة، وجَزاءات مُحَدَّدة، وجِهات اختصاصٍ تَنظر فيها. وهي مهمّة، لكنّها ليست كافية وحدها لبناء الحَوكمة؛ لأنّها تَتَعامل مع حُدود الفِعل لا مع جَودة القرار. وكثير من القرارات السيّئة لا تُخالف نَصاً قانونياً، ومع ذلك تَكون مَعيبة حَوكمياً.

المسؤولية الجَماعية والفَردية هي من أَدَقّ ما يُغفَل عنه في الممارسة. القرارات في الحَوكمة كثيراً ما تَكون قراراتٍ جَماعيةً (قَرار مَجلس، توصية لجنة، اعتماد فَريق). والسؤال الحَوكمي الدَقيق هنا: هل تَتحوّل المسؤولية الجَماعية إلى مسؤوليةٍ فَردية لكلّ عُضو، أم تَبقى جَماعيةً لا تَلحق فَرداً بعَينه؟ والصَواب أنّ المسؤولية الجَماعية لا تُلغي الفَردية، بل تَنبَني عليها. كلّ عُضوٍ في مَجلسٍ يَتَخذ قراراً جَماعياً، يَتَحمّل تَبعَة هذا القرار بصِفته الفَردية أيضاً، ما لم يُسجِّل اعتراضاً مُوَثَّقاً. ومن دون هذا الفَهم، تَتَحوّل القرارات الجَماعية إلى مَلاذ للهُروب من المسؤولية.

سادسًا: لماذا تَسقط المسؤولية في الممارسة؟

لكنّ هذا البِناء النَظَري، مهما بَدا مُحكَماً، يَنهار في الممارسة لأسباب بنيوية، لا شَخصية. ومن أَهمّها:

شَخصنَة السلطة بلا تَحميل: يَتَركّز النُفوذ في كثير من المؤسسات في شَخصٍ واحدٍ نُفوذُه أَكبر من مَوقعه الرَسمي. هذا الشخص يَتَّخذ القرارات، أو يُؤثّر فيها تأثيراً حاسماً، لكنّه لا يَظهر في الوَثائق بوصفه صاحب القرار. فالسلطة عنده، والمسؤولية على غَيره. وهذا من أَخطر صُور الانفصال بين السلطة والمسؤولية، وأَصعبها كَشفاً؛ لأنّ الوَثائق لا تَكشفها، وإنّما تَكشفها الديناميكا الفعلية للقرار.

تَوزيع السلطة بلا تَحديد التَبعَة: تَنُصّ السياسة على أنّ "اللجنة الفُلانية تَعتمد كذا"، لكن لا تَنُصّ على من يَحمل تَبعَة هذا الاعتماد إن نَتَج عنه ضَرر. وهذا الغُموض يُحَوّل التَوزيع المَدروس للسلطة إلى تَوزيع مَدروس للهُروب من المسؤولية.

اللجان التي تَحجب المسؤولية الفَردية: اللجنة في الأَصل أداة لتَجميع الرَأي وحَماية القرار من التَفرُّد. لكنّها قد تُستَعمل عَكسياً: لتَفتيت المسؤولية حتى لا تَلحق أحداً. فيَخرج القرار باسم "اللجنة"، ويَختفي الجَميع خَلف الجَماعة، فلا يَحمل أحدٌ تَبعَة شيء.

غياب التَوثيق الذي يَربط القرار بصاحبه: تُتَّخذ القرارات شَفاهةً، أو في اجتماعاتٍ غير مُوَثَّقة، أو بصياغاتٍ تَتَجنّب نِسبة القرار إلى جِهة بعَينها. ومن دون تَوثيق، تَفقد المسؤولية أَداتها العَملية الأَساس؛ إذ لا يَستقيم أن نَربط فِعلاً بفاعله إن لم يَكن مكتوباً.

ثقافة "الفَهم بلا كَتابة": تَسود في بعض البيئات ثقافة أنّ "النّاس يَفهمون"، وأنّ تَوضيح المسؤولية كَتابيّاً نَوعٌ من سُوء الظَنّ. وهذه الثقافة تُنتج بناءً حَوكميّاً هَشّاً؛ لأنّ المسؤولية المَفهومة ضِمناً تَنهار عند أوّل اختلاف، بَينما المسؤولية المَكتوبة بوُضوح تَصمد.

سابعًا: مَشهد من الواقع

تَجتمع لجنةٌ في إحدى المؤسسات للنَظر في اعتماد عَقدٍ كبير. تَدور المُناقشة، ويُبدي بعض الأعضاء تَحفّظاتٍ على بعض بنود العَقد، لكنّ أَحداً لا يَطلب تَوثيق هذه التَحفّظات. تَنتهي الجَلسة، ويُعتَمد العَقد بصيغة "بإجماع اللجنة"، ويَخرج الجَميع.

بعد سَنة، يَظهر أنّ العَقد سَبَّب خَسارةً جَوهرية للمؤسسة. تَبدأ المُساءلة. يُسأل رئيس اللجنة، فيَقول إنّه عَرض الأمر للمناقشة وأخذ بـ"رأي الأَغلبية". يُسأل الأعضاء، فيَقول كلّ واحدٍ إنّه أَبدى تَحفّظاتٍ شَفهية لكنّها لم تُسجَّل. تُراجَع المَحاضر، فلا تَجد فيها سوى صيغة "اعتُمد بإجماع اللجنة".

في هذا المَشهد، السلطة كانت قائمة، والاعتماد قد جَرى، والقرار له أَثر فعلي. لكنّ المسؤولية — حين جُلب الأمر للمُساءلة — لم تَلحق أحداً بعَينه. تَبدّدت في الجَماعة، واختَفت تَحت "الإجماع"، وضاعت لغياب تَوثيق يَربط كلّ صَوت بصاحبه.

وهذا المَشهد ليس استثناء، بل نَمط مُتَكرّر في كثير من المؤسسات. تَجتمع فيه ثلاثة أسباب من أسباب سُقوط المسؤولية معاً: تَفتيت المسؤولية في اللجنة، وغياب التَوثيق، وثقافة "الفَهم بلا كَتابة". والنَتيجة في كلّ مرّة واحدة: قرار يَقع، وضَرَر يَنشأ، ولا يُوجَد من يَحمله. ولو كان في المَحضر تَسجيلٌ لمن وافَق ومن تَحفَّظ، ورَبطٌ لكلّ صَوت بصاحبه، لَما ضاعت المسؤولية على هذا النَحو. وهي أَدوات بسيطة في الشَكل، لكنّها في غِيابها تَترك السلطة قائمةً والمسؤولية ضائعة.

خاتمة

لا تُقاس جَودة الحَوكمة بكَثرة ما يُقال فيها عن المسؤولية، بل بـوضوح حامِلها في كلّ سُلطةٍ مَوزَّعة، وفي كلّ قرارٍ مُتَّخَذ، وفي كلّ صَلاحيةٍ مُمارَسَة. فالمؤسسات التي تُكثر من ذِكر المسؤولية في خِطابها، وتَترك تَوزيعها غامضاً في بنائها، إنّما تَبني حَوكمةً صَوتية، لا حَوكمةً فِعلية.

والمسؤولية — كما تَبيّن — ليست قِيمة أخلاقية تُضاف إلى البناء الحَوكمي تَزييناً، ولا نتيجة تَترتّب عليه لاحقاً، بل بناءٌ تَأسيسيّ يَفتح الباب لبَقية المبادئ. هي التي تَجعل السلطة مَشروعةً بدل أن تَكون نُفوذاً، والاستقلال حِمايةً للقرار بدل أن يَكون حَصانةً للشخص، والرقابة قُدرةً على التَصحيح بدل أن تَكون مُتابعةً بلا أَثر.

ولأنّ المسؤولية لا تُختبر بالخِطاب، بل بـوضوح الإجابة عن أسئلة بعَينها، فإنّ ثلاثة أسئلة تَكفي لاختبارها في أيّ مَوقع سُلطة: من صاحب القرار؟ وعن ماذا يَتَحمّل تَبعَته؟ وكيف يَظهر ذلك في التَوثيق؟ فإذا استقامت الإجابة عن هذه الثلاثة، استقام معها كثير ممّا سواها. وإذا اضطَربت، فلا تَنفع لائحة، ولا تَكفي لجنة، ولا يُغني وُجود وَثائق مُحكَمة عن الفَراغ الذي يَنشأ من فَقدان المسؤولية في مَوضعها.

وإذا كانت المسؤولية تُحدّد من يَحمل التَبعة، فإنّ المُساءلة تَبدأ من سؤال واحد: كيف يُختبر هذا الحَمل في الممارسة؟