سُئل عن مسألة في الحوكمة.

لم يُجب مباشرة.

سأل عن نوع الجهة، ثم عن القطاع، والجهة المنظمة، وموقع الصلاحية. ثم طلب أن يرى الوثيقة التي تحكم المسألة. وبعدها سأل عن الذي لا تقوله الوثيقة: كيف يُتخذ القرار فعلًا.

كان السؤال في ظاهره بسيطًا، والإجابة المتوقعة أقصر بكثير. ومع كل سؤال إضافي، بدأ شيء آخر يظهر في الوجوه. بعضهم استثقل الطريق. وبعضهم سأل في نفسه:

ألا يعرف؟

لكن جرّب أن تنقل المشهد إلى مكان آخر.

المهندس الإنشائي

الأساس قبل الحكم

وتسأل مهندسًا إنشائيًا: هل يمكن إضافة طابق إلى هذا المبنى؟ لن تكفيه واجهته. سيطلب المخططات، ويفحص الأحمال والأساسات، وربما يعود إلى التربة التي لا يراها أحد.

الطبيب

المعطيات قبل التشخيص

تقول للطبيب: أشعر بألم في صدري. لا يصف العلاج من الجملة الأولى. يسأل عن موضع الألم، ومدته، والأعراض المصاحبة، والتاريخ الصحي، والأدوية التي تستخدمها. ولا نقرأ أسئلته على أنها نقص في الطب؛ بل قد يقلقنا طبيب عرف التشخيص قبل أن يعرف المريض.

القانوني

الواقعة قبل النص

وحتى القانوني الذي يعرف النص قد لا يملك الحكم الدقيق قبل أن يعرف نوع العقد، وصفة الأطراف، واللفظ الذي قيل، والنظام الخاص الذي يحكم الواقعة.

الطيار

الظروف جزء من القرار

والطيار يعرف الطائرة قبل أن يصل إليها، لكنه لا يقرر الإقلاع من معرفته بها وحدها. الطقس، والحمولة، والمدرج، والحالة الفنية؛ كلها تدخل في القرار.

في كل هذه الميادين، المعطيات ليست شيئًا يأتي بعد المعرفة. هي جزء من الحكم نفسه.

فلماذا نتوقع في الحوكمة جوابًا قبل أن تكتمل المسألة؟

معرفة المجال لا تعني معرفة الحالة.

وراء العرض جسد يعلم الجميع أن له ما لا يظهر، ووراء الواجهة أساس لا يشك أحد في وجوده. أما المنظمة فتبدو مكشوفة أمامنا: مجلس، وإدارة تنفيذية، ولجان، وسياسات، وصلاحيات؛ فيبدو أن الحالة سُلّمت كاملة، ولم يُسلّم إلا شكلها. وليست المعلومات غائبة فحسب؛ شكل المنظمة يوهم بأنها حاضرة.

وما يحتاجه الحكم ليس في موضع واحد: بعض المعرفة تُقرأ في المرجع الحاكم، وبعضها تُكتشف من واقع المنشأة، وبعضها تُستدعى من أهل الاختصاص.

فقد يحسم المرجع جزءًا من الجواب، ويكشف الواقع جزءًا آخر - كموقع الصلاحية ومسار القرار الفعلي - ويحتاج الحكم في جزء ثالث إلى معرفة قانونية أو مالية أو فنية لا يصح افتراضها.

ما يبدو هيكلًا واحدًا، تحكمه طبقات لا تظهر كلها في الرسم التنظيمي.

ليس كل ما يلزم للحكم موجودًا في رأس من يُسأل.

وهنا تظهر قيمة معرفة بنية المجال: فهي لا تلغي ما تجهله، بل تجعل موضعه معلومًا. قد لا تعرف الجواب، لكن ينبغي أن تعرف أين تقع المسألة.

والآن اقلب المشهد

طُرحت مسألة، وجاء الجواب قبل أن يُعرف موضعها: تُضاف رقابة. ثم بدأت سلسلة تبدو كل خطوة فيها منطقية بعد وقوعها:

رقابةاستثناءضابطاعتمادمتابعة

ولكل طبقة سبب مفهوم إذا نُظر إليها وحدها. لكن السؤال الذي كان ينبغي أن يسبق الطبقة الأولى بقي بلا جواب:

هل كانت الرقابة الأولى لازمة أصلًا؟

والفرق كبير بين من يقول: «لا أعرف، أحتاج معلومات أكثر»، وبين من يقول: «هناك ثلاثة أمور تغيّر الحكم هنا: النظام المنطبق، وموقع الصلاحية، والرقابة الموجودة حاليًا. ما الموجود عندكم؟»

الأول لم يصل بعد إلى طريق الجواب. أما الثاني فقد بدأ الجواب بالفعل.

الأسئلة بناء لأسباب الحكم

وهذا لا يعني أن الجواب المهني هو: «يعتمد على السياق». هذه ليست إجابة. فالأسئلة هنا ليست تأجيلًا للحكم. هي بناء لأسبابه.

وإذا كانت المسألة من النوع الذي يتغير حكمه بتغير هذه الأسباب، ثم صدر الحكم قبل معرفتها، فليست المشكلة أنه جواب سريع أو أقل ملاءمة. المشكلة أنه حكم صدر على حالة لم تُفحص بعد.

ولهذا قد تأتيك إجابة مرتبة، واضحة، ومسنودة بممارسة معروفة، ولا ترى فيها خطأ ظاهرًا. لكن إذا سبقت الإجابة المعطيات التي يتوقف عليها الحكم، فربما كان السؤال الذي أُجيب عنه مختلفًا عن السؤال الذي طرحته.

أنت سألته عن منشأتك.
وهو أجابك عن منشأة أخرى.