تعددت القراءات لنظام التعليم العام من جوانبه النظامية والتعليمية وما قرره للطالب والمعلم والمؤسسة. أما هذه فقراءة حوكمية في تصميم القرار وحده: كيف صُممت السلطة، وكيف فُرّق بين متطلبات معتبرة في ذاتها، لكنها لا تحتمل أن تُدار كلها بالطريقة نفسها؟

التعليم العام قطاع واسع، والوزارة هي الجهة المختصة بالإشراف عليه، وتحمل نطاقًا كبيرًا من التنفيذ والتشغيل. لكن نجاح التعليم نفسه لا يُعرّف بمعيار واحد؛ فالنظام يطلب منه الهوية والقيم واللغة، كما يطلب المهارات والعمل والإنتاجية، ومواكبة الاقتصاد والتقنية، والوعي الصحي والغذائي، وممارسة الرياضة، وخدمة المجتمع والسلامة.

فصعوبة التصميم هنا لا تأتي من كثرة المتطلبات وحدها، بل من ضرورة إبقاء اعتبارات مختلفة حاضرة في الوقت نفسه، من غير أن يطغى أحدها على الآخر.

وهنا تبدأ المعضلة الحوكمية.

ليس النجاح معيارًا واحدًا

فالمسألة الحوكمية لا تقف عند احتمال انفراد جهة بالقرار، بل تمتد إلى احتمال أن ينفرد معيار واحد بتعريف النجاح كله: التحصيل وحده، أو سوق العمل، أو الكلفة، أو الصحة؛ وكل واحد منها معتبر، ولا يكفي وحده.

ولو صُممت صناعة القرار داخل عين المشغل وحدها، لأصبح حضور الاعتبارات التي تقع آثارها خارجه مرهونًا بما يستحضره الجهاز نفسه منها. ولو تحولت كل علاقة بالتعليم إلى مقعد، لم يعد المجلس أداة قرار بل ساحة تمثيل مفتوحة. ولو رُفعت السلطة كلها إلى مجلس جماعي، ضاقت حركة التنفيذ. ولو تُركت كلها للجهاز التنفيذي، فقدت الجماعية معناها.

جودة التصميم هنا ليست في الانتصار لمطلب على آخر، بل في إعطاء كل مطلب موضعه من غير أن يبتلع غيره.

التشكيل مرآة لتعريف النجاح

ولهذا يستحق تشكيل مجلس شؤون التعليم العام أن يُقرأ مع أهداف النظام، لا منفصلًا عنها. فإلى جانب وزير التعليم ونائبه، يضم المجلس نواب وزراء الاقتصاد والتخطيط، والموارد البشرية، والمالية، والثقافة، والرياضة، والاستثمار، والصحة، ورئيس هيئة تقويم التعليم والتدريب، وأربعة من المختصين ذوي الخبرة في مجالات التعليم.

ويُقرأ هذا التشكيل، إلى حد معتبر، بوصفه مرآة لتعريف النظام نفسه لنجاح التعليم، لا خريطة لكل جهة تمسه. فهو يجمع منظورات لا ينبغي أن تغيب عن القرار التعليمي الأعلى، ومنها ما يظهر أثره خارج العمل التعليمي اليومي: في الموارد، أو الصحة، أو سوق العمل بعد سنوات.

وهذا التفريق مهم. فليست كل جهة مهمة بحاجة إلى مقعد، ولا يعني غياب المقعد غياب المشاركة. المركز الوطني للمناهج، مثلًا، يشترك مع الوزارة وهيئة تقويم التعليم والتدريب في إعداد الإطار الوطني للمناهج، من غير أن يكون عضوًا في المجلس.

ليس كل مهم عضوًا، وليس كل غير عضو مستبعدًا.

وفي تصميم أي مجلس، السؤال ليس فقط: من يشارك؟ بل ما نوع المشاركة التي تقتضيها علاقته بالقرار؟

الخبرة قبل الانتماء القطاعي

وتزداد دقة التشكيل في المقاعد الأربعة. فالأربعة جميعًا يجب أن يكونوا من المختصين ذوي الخبرة في مجالات التعليم، ثم اشترط النظام أن يكون من بينهم ممثل للقطاع الخاص وممثل للقطاع غير الربحي.

أي أن الانتماء القطاعي لم يصبح بديلًا عن الخبرة التعليمية؛ يدخل منظور القطاع من داخل معرفة بالمجال الذي سيشارك في صناعة قراره. وجعل عضويتهم ثلاث سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، فلا تتحول هذه المقاعد إلى تمثيل دائم لأشخاص بعينهم، وتبقى مساحة لتجدد الخبرة مع تغير الحاجة.

تعدد في المنظور، ووحدة في القرار

لما تعددت المنظورات، احتاج القرار إلى حسم لا يلغي هذا التعدد. اشترط النظام حضور ثلثي أعضاء المجلس لصحة الاجتماع، ولم يشترط الإجماع في القرار؛ بل جعله بأغلبية الحاضرين، وعند التساوي يرجح الجانب الذي يصوت معه رئيس الاجتماع.

الصحة تدخل اعتبار الصحة، لكنها لا تجعل التعليم ملفًا صحيًا. والمالية تدخل اعتبار المورد، لكنها لا تختزل جودة التعليم في الكلفة. وسوق العمل يدخل حاجته إلى المهارة، لكنه لا يحول المدرسة إلى مصنع للوظائف.

وهكذا يحمي التعدد تعدد تعريف النجاح، ثم تعيده آلية القرار إلى سياسة تعليمية واحدة. ومن هنا تُقرأ رئاسة وزير التعليم للمجلس أيضًا؛ فهو يقود تركيب هذه الاعتبارات في قرار تعليمي واحد.

حدود التفويض تحمي الجماعية

أجاز النظام للمجلس تفويض بعض اختصاصاته إلى الرئيس أو نائبه أو لجانه، ثم منع تفويض ستة اختصاصات بعينها. ولو فُتح التفويض في كل الاختصاصات، لأمكن أن تُنشأ السلطة جماعية ثم تعود فردية من الباب نفسه.

هنا تظهر دقة الحجز: فهذه ليست استثناءات إجرائية من التفويض فحسب، بل حدود تحمي السبب الذي أُنشئت الجماعية من أجله. فالوزير يقود تركيب القرار، ولا يحل محل التركيب فيما أراد النظام أن يبقى جماعيًا.

وفي الاتجاه المقابل، لم تتحول الجماعية إلى سحب للتنفيذ نحو الأعلى. فللوزير تفويض بعض صلاحيات الوزارة إلى إدارات التعليم، ويجيز النظام إسناد بعض مهمات الوزارة التعليمية، أو إدارة أو تشغيل بعض المؤسسات التعليمية، إلى القطاعين الخاص وغير الربحي وفق ضوابط يقرها المجلس، بينما تحمل هيئة تقويم التعليم والتدريب وظائف محددة في الاختبارات والمقاييس والاعتماد.

المرونة نزلت إلى التنفيذ، لكن قيد نزولها بقي عند المستوى الجماعي الذي يضع ضوابطها.

فالسلطة هنا لا تتحرك في اتجاه واحد؛ تُجمع عند المفاصل، وتتحرك عند التنفيذ، وتذهب إلى المتخصص حيث تقتضي الوظيفة ذلك.

جمع القرار بلا تفكيك التنفيذ

لم يقف التفريق عند المؤسسات؛ بل وصل إلى الفعل النظامي نفسه. ففي قائمة واحدة من اختصاصات المجلس نجد: يقر، ويحدد، ويقترح ويرفع، ويرفع ويوصي، ويضع ويرفع. كلها اختصاصات للمجلس، لكنها لا تضعه في الموضع نفسه من مسار القرار.

جدول الاختصاصات يخبرنا من دخل مسار القرار؛ والفعل يخبرنا إلى أين يبلغ فيه.

وهذا فارق يتجاوز التعليم: في أي وثيقة صلاحيات، لا يكفي أن نعرف لمن أُسند الاختصاص؛ فالفعل المستعمل يحدد موضعه الحقيقي في مسار القرار.

مادة القرار قبل الحسم

أُحكم في هذا التصميم من يقرر وكيف يُحسم؛ ويبقى الاختبار فيما يسبق ذلك: مادة القرار نفسها.

فالأمانة العامة تعد الدراسات ومشروعات اللوائح، وتوفر البيانات والمعلومات اللازمة لاتخاذ القرار. وهنا لا يكفي تنوع الأعضاء إذا صيغت المشكلة، وحُددت البدائل، وبُنيت المعلومات من منظور واحد. فقد يكون المجلس متنوعًا فيمن يحكم، أحاديًا فيما يحكم عليه.

وتزداد حساسية ذلك في تعليم إلزامي خلال سنوات محددة، يمتد أثر بعض قراراته على الطالب سنوات قبل أن تظهر نتيجته كاملة.

كلما طال زمن ظهور الأثر وصعب عكسه، ارتفعت قيمة تنوع المعرفة قبل القرار، لا تنوع الأصوات عنده فقط.

والعمل بالنظام لم يبدأ بعد؛ ولذلك فهذه قراءة حوكمية في تصميمه، لا تقييمًا لأدائه. والحوكمة بطبيعتها لا تقف عند لحظة التأسيس؛ بل تتجدد بالممارسة، وبما تكشفه الآثار والمتغيرات من حاجات إلى المراجعة والتطوير.

ما الذي فعله التصميم؟

  • أبقى القيادة ولم يترك الانفراد.
  • وسّع المشاركة ولم يجعلها تمثيلًا مفتوحًا.
  • رفع الجماعية ولم يعطل التنفيذ.
  • أدخل القطاعين الخاص وغير الربحي، ولم يجعل الانتماء القطاعي بديلًا عن الخبرة التعليمية.
  • اشترط حضورًا واسعًا، ولم يمنح كل منظور حق تعطيل القرار.

وهذا هو جمع القرار بلا تفكيك التنفيذ.

صنعة الحوكمة لا تظهر حين تتفق المتطلبات؛ تظهر حين تكون كلها معتبرة، ويكون الخطأ في معاملتها كأنها شيء واحد.

المصدر: نظام التعليم العام، الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/٣٦)، وقرار مجلس الوزراء رقم (١٠٣) المرافق له.