قد يحتاج قرار إلى عشرة توقيعات، ولا يكون معقدا حوكميا.
وقد يحتاج قرار آخر إلى ثلاثة أطراف فقط، ويكون أشد تعقيدا.

فالفرق ليس في عدد التواقيع.

العشرة قد يعملون داخل سلسلة سلطة واحدة؛ يعرف كل واحد موقعه، ويعرف الجميع من يحسم في النهاية.
أما الثلاثة، فقد يملك كل واحد منهم سلطة مستقلة لا يستطيع الآخر تجاوزها.

ثلاثة أبواب لا يملك أحد مفاتيح الآخرين قد تكون أعقد من عشرة أبواب

يفتحها مفتاح واحد

ولهذا، حين نسأل: أي القطاعات أصعب حوكميا؟ قد يكون عد الأنظمة واللوائح واللجان أول طريق إلى الإجابة الخطأ.

المشكلة ليست في عدد القواعد.

المشكلة في كيف تتوزع السلطة حول القرار.

رسم توضيحي من مقال حدود التصميم، الشكل 2-1

1 · البيروقراطية ليست هي التعقيد الحوكمي

قد يكون مسار القرار طويلا ، لكنه واضح.

وقد يكون قصيرا، لكنه يتوقف عند أكثر من سلطة لا تتبع إحداها الأخرى.

الأول قد يكون بطيئا أو ثقيلا إداريا.
أما الثاني ففيه مسألة مختلفة: من يملك أن يجعل القرار معتبرا أصلا ؟

وأستخدم كلمة «السلطة» هنا بمعنى ضيق.

ليس كل من يؤثر في القرار صاحب سلطة.
العميل يؤثر.
السوق يضغط.
الممول قد يضغط.
السمعة والوقت والظرف كلها تؤثر.

لكن السلطة الحوكمية شيء آخر: أن يكون لشخص أو جهة، بسند معتبر، حق في إعطاء القرار أثره، أو منعه، أو تقييد حدوده، أو مراجعته مراجعة ملزمة.

ومن هنا تصبح قراءة أي قرار ممكنة بثلاثة أسئلة بسيطة:

من يملكه؟

من يستطيع إيقافه دون أن يملكه؟

وإذا تعارضت السلطات، من يحسم؟

هنا يبدأ ما أسميه تعقيد السلطة.

ليس بكثرة من يمر عليهم القرار، بل باستقلال السلطات التي يحتاجها، وطبيعة العلاقة بينها، وطريق الحسم حين تختلف.

2 · الشركة العائلية: ليست العائلة سلطة لمجرد أنها عائلة

الشركة العائلية مثال جيد؛ لأنها تكشف الفرق بين التأثير والسلطة بسرعة.

قد يكون للمؤسس حضور طاغ ، وللجيل الأكبر كلمة مسموعة، ولمجلس العائلة رأي مؤثر.
لكن هذه الوقائع وحدها لا تخبرنا بمن يملك القرار.

السؤال الحوكمي أدق:

أين تقع الملكية؟ ما الذي يملكه الشركاء؟ ما الذي فوضوه للمجلس؟ وما الذي بقي للإدارة التنفيذية؟ وهل مجلس العائلة صاحب سلطة فعلية في المسألة، أم مساحة للتشاور والتوافق فقط؟

في النظام السعودي نفسه توجد مساحة معتبرة للتصميم؛ فنظام الشركات يجيز للشركاء أو المساهمين إبرام ميثاق عائلي ينظم، من بين أمور أخرى، الملكية العائلية والحوكمة والإدارة وسياسة توظيف أفراد العائلة وتوزيع الأرباح والتصرف في الحصص أو الأسهم وآلية تسوية الخلافات، على ألا يخالف النظام أو الوثائق التأسيسية للشركة.

وهذه نقطة مهمة.
في بعض الشركات العائلية يكون جزء كبير من بنية السلطة قابلا للتصميم من الداخل.
تستطيع العائلة أن تعيد ترتيب العلاقة بين الملكية والمجلس والإدارة، وأن تعلاج انتقال السلطة بين الأجيال قبل أن يتحول إلى نزاع.

لكن كلما تحولت الأعراف العائلية غير المكتوبة إلى مراكز تأثير موازية للصلاحيات الرسمية، ظهر نوع آخر من المشكلة: قد تعرف الوثائق من يملك القرار، بينما تعرف الممارسة شخصا آخر يستطيع إيقافه.

وهنا لا تكفي قراءة الهيكل.

يجب أن تقرأ السلطة كما تعمل، لا كما رسمت فقط

3 · ثم تكبر الشركة... فتخرج بعض المفاتيح من داخلها.

الصورة تتغير حين تصبح الشركة مدرجة، أو تعمل في نشاط منظم، أو تدخل في مجموعة شركات، أو تمتد إلى أكثر من والية قانونية.

لم تعد كل بنية القرار مسألة داخلية.

قد يبقى للشركة مجال واسع في تصميم إدارتها ولجانها وتفويضاتها، لكن بعض الحدود تصبح مقررة من خارجها.
وفي الشركات المدرجة مثال ، لا تترك لائحة حوكمة الشركات كل علاقة بين المجلس والإدارة الختيار الشركة؛ فهي تضع متطلبات تتعلق بفصل بعض المواقع وتحديد المسؤوليات، وتنص على ألا ينفرد شخص بسلطة مطلقة التخاذ القرارات في الشركة.

قد تستطيع تغيير لجنتك.
لكن لا تستطيع بقرار داخلي إلغاء سلطة المنظ م.

وقد تستطيع إعادة توزيع صلاحيات الإدارة.

لكن لا تستطيع أن تمنح مجلس الإدارة سلطة لا يمنحها له النظام.

وهكذا يزداد التعقيد، لا لمجرد أن الشركة أصبحت أكبر، بل لأن مساحة من القرار انتقلت خارج قدرة الشركة على إعادة تصميمها منفردة.

4 · وغير الربحي يكشف صورة مختلفة.

في القطاع غير الربحي، تظهر مسألة أخرى.

ليس كل ممول صاحب سلطة، وليس كل مستفيد صاحب قرار، وليس كل صاحب مصلحة يملك حق الحسم.

ولهذا قد تتعدد الأصوات حول المنظمة، من غير أن تتعدد السلطات بالدرجة نفسها.

لكن حين نصل إلى أجهزة الجمعية ولائحتها الأساسية والجهة المنظمة، تصبح الحدود أوضح.
ففي البيئة السعودية، تعديل اللائحة الأساسية للجمعية يمر عبر الجمعية العمومية غير العادية ويخضع لمسار اعتماد لدى المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي.

وهذه حالة مفيدة؛ لأنها تمنعنا من الوقوع في التصنيف السهل:

التجاري مرن، وغير الربحي متوسط، والحكومي جامد.

الواقع أدق.

فالقرار الواحد داخل المنظمة نفسها قد يكون جزء منه تحت سيطرتها، وجزء آخر خارجها.

ومن هنا نصل إلى السؤال الذي أراه أهم من تصنيف القطاعات كلها.

5 · أين تنتهي قدرة المنظمة على تصميم السلطة؟

رسم توضيحي من مقال حدود التصميم، الشكل 6-1

افترض أننا فهمنا القرار جيدا.

عرفنا من يملكه.
وعرفنا من يستطيع إيقافه.
وعرفنا كيف ي حسم التعارض.
ثم اكتشفنا أن هذا الترتيب لا يعمل جيدا.

هنا يظهر السؤال الرابع: من يملك تغيير هذا الترتيب أصلا ؟

وهذه هي حدود التصميم الحوكمي.
داخل هذه الحدود تستطيع المنظمة أن تعيد توزيع الصلاحيات، أو تعد ل تفويضا، أو تعيد تشكيل لجنة، أو تغير مسار التصعيد.

لكن عند نقطة معينة تنتهي هذه القدرة.

بعدها تبدأ سلطات لا تستطيع المنظمة إعادة تصميمها بإرادتها المنفردة.

وهذا الخط الفاصل مهم؛ لأن منظمتين قد تواجهان درجة متقاربة من تعقيد السلطة، لكن إحداهما تستطيع إصلاح بنيتها داخليا، بينما تحتاج الأخرى إلى سلطة أعلى أو جهة مستقلة أو تعديل قاعدة لا تملكها.

الأولى أمامها مشكلة تصميم.

والثانية أمامها، جزئيا، واقع سلطوي يجب أن تديره.

6 · وهنا يصبح القطاع العام حالة خاصة

ليس لأن عدد أنظمته أكبر بالضرورة.

ولا لأن القرار الحكومي أبطأ بالضرورة.
ولا لأن كثرة الرقابة تعني وحدها تعقيدا أعلى.

السبب أعمق.

في قرارات كثيرة داخل الجهة العامة، قد يكون جزء معتبر من السلطات التي تحكم القرار قد نشأ خارج الجهة نفسها.
تستطيع الجهة أن تنظم داخلها ما يسمح لها تنظيمه، لكنها لا تستطيع إعادة تصميم كل الأطر الأفقية أو الاختصاصات الخارجية التي تنطبق عليها.

ومثال واحد يوضح الفكرة دون تعميمها: معايير التحول الرقمي الحكومية الصادرة عن هيئة الحكومة الرقمية تطب ق على طيف واسع من الجهات الحكومية، وتستند إلى تنظيم الهيئة وقرارات وتعليمات أعلى؛ فالجهة المنفردة لا ت نش ئ هذه الطبقة لنفسها ولا تستطيع إسقاطها بمجرد إعادة ترتيب هيكلها الداخلي.

وهذا هو موضع الصعوبة:

قد يعرف المسؤول تماما ما يريد أن يفعله، وقد يكون القرار منطقيا من زاوية الإدارة، ومع ذلك يبقى جزء من طريقه متعلقا بسلطة لا يملكها المسؤول ولا تملكها إدارته.

كلما زادت السلطات التي يحتاجها القرار، وخرجت أجزاء أكبر منها خارج حدود تصميم الجهة، أصبحت الحوكمة أصعب

7 · لكن هل يعني هذا أن القطاع العام هو الأعقد دائما؟

لا.

وهذه الـ«لا» مهمة.

خذ شركة مدرجة تعمل في نشاط شديد التنظيم، ضمن مجموعة شركات، ولها أعمال في أكثر من دولة.
قد تحتاج في القرار الواحد إلى مجلس، ولجان، ومساهمين في بعض المسائل، ومنظ م قطاعي، ومنظ م للسوق، وشركة أم أو شركات تابعة، ثم قواعد في واليات أخرى.

يمكن لمثل هذه البنية أن تكون أعقد حوكميا من جهة عامة بعينها.

ولا يهدم ذلك المعيار.

بل يؤكده.

»لأن الشركة لم تصبح معقدة لمجرد أنها «تجارية»، كما أن الجهة لم تصبح معقدة لمجرد أنها «حكومية.

التعقيد ارتفع لأن مفاتيح الحسم توزعت بين سلطات مستقلة أكثر، وضاقت المساحة التي يستطيع الكيان إعادة تصميمها بنفسه.

إذن اسم القطاع لا يكفي.

الذي يهم هو تركيب السلطة حول القرار

رسم توضيحي من مقال حدود التصميم، الشكل 9-1
رسم توضيحي من مقال حدود التصميم، الشكل 10-1

8 · وليس كل هذا التعقيد عيبا

هنا توجد نقطة يسهل أن تضيع.

إذا كان تعدد السلطات يزيد التعقيد، فقد يبدو أن الحل هو جمعها كلها في يد واحدة.

وهذا قد يكون أسوأ حل حوكمي ممكن.

بعض الاستقلال مقصود.

لجنة المراجعة لا تفقد قيمتها لأنها تضيف مركزا آخر إلى القرار؛ قيمتها في جزء منها أنها ليست امتدادا تنفيذيا لمن تراجع عمله.
والمنظ م الخارجي لا يصبح «عائقا تصميمي ا» لمجرد أن المنشأة لا تستطيع إعادة تشكيله.
حتى في لائحة حوكمة الشركات، نجد قيودا مقصودة على تركيز السلطة؛ ومنها الفصل بين رئاسة المجلس والمواقع التنفيذية ومنع انفراد شخص واحد بسلطة مطلقة في اتخاذ القرار.

إذن الغاية ليست أن نجعل كل قرار أبسط ما يمكن.
بل أن نعرف: أي تعقيد يؤدي وظيفة تحمي القرار، وأي تعقيد لا يضيف إلا غموضا في من يملك ومن يحسم؟

الحوكمة الجيدة لا تلغي تعقيد السلطة كله.

هي تمي ز بين التعقيد الذي يحمي القرار، والتعقيد الذي يربكه.

9 · فأي القطاعات أصعب حوكميا؟

بعد كل ذلك، أميل إلى جواب واضح، لكن ليس مطلقا.
في صورته النمطية، أرى القطاع العام أكثر تعرضا بنيويا للتعقيد الحوكمي.

»ليس لأنه «حكومي.

بل لأن بنيته كثيرا ما تجمع أمرين في الوقت نفسه: سلطة موزعة بين مراكز مستقلة، ومساحة أضيق إلعادة تصميم العلاقة بينها من داخل الجهة نفسها.

وهذا يجعل صعوبة الحوكمة فيه تبدأ أحيانا من موضع أبكر من غيره.

أما الشركة، فقد تبدأ بمساحة تصميم داخلية واسعة ثم تضيق مع الإدراج والتنظيم والتوسع والمجموعات وتعدد الواليات.

لكن هذا كله لا يزال معيارا عاما؛ فلكل بيئة تركيبتها الخاصة، لا مجرد درجة أعلى أو أقل من التعقيد نفسه:

رسم توضيحي من مقال حدود التصميم، الشكل 12-1

العائلة.قد يكون مجلس الإدارة صاحب السلطة رسميا، بينما يملك المؤسس أو كبير العائلة قدرة فعلية على إيقاف القرار:

سلطة نظامية، وسلطة عائلية فعلية، حول القرار نفسه.

هل من يملك اقتصاديا هو نفسه من يستطيع الحسم فعليا؟

المجموعة قد تملك القابضة أغلبية التصويت، وتسيطر على تشكيل مجلس التابعة، ومع ذلك لا تتحول التابعة إلى إدارة: داخلية في الشركة الأم؛ يبقى لمجلسها مسؤولية تجاه الشركة التي يديرها.

السيطرة على التعيين لا تعني امتالك القرار بلا حدود.
فكيف ت دار مصلحة المجموعة من غير أن تبتلع مسؤولية مجلس التابعة؟

غير الربحي عضو المجلس هنا لا يقد م وقته وخبرته فقط؛ بل يضع سمعته وعالقاته ومكانته وما تتيحه له من وصول وثقة في: خدمة المنظمة.
وهذه موارد لا تملك المنظمة أن تفترض توافرها بلا حد، ولا تستطيع تعويضها بسهولة بالمستوى نفسه.
ولهذا لا ينبغي أن ي ستهلك وقت المجلس وخبرته في أعمال يستطيع الجهاز التنفيذي أو خدمة مدفوعة إنجازها بالكفاءة نفسها؛ بل ي حفظ هذا المورد للمواضع التي يصعب تعويض قيمته فيها.

ما يقدمه أعضاء المجلس قد لا تظهر كلفته في ميزانية المنظمة، لكنه ليس بلا كلفة؛ فهو مورد متبرع به، وجودة الحوكمة أن توج هه إلى أعلى قيمة من غير أن تستنزفه.
القطاع المنظ م وهناك حالة تكسر النمط نفسه: قد يكون المنظ م الخارجي واضح الاختصاص، فيحسم مسألة فنية كان غياب: المرجع سيجعلها أشد تعقيدا.

ليست المشكلة أن السلطة خارج المنظمة؛ المشكلة حين تتعدد السلطات أو تتداخل ولا يكون طريق الحسم بينها واضحا.

لا يكفي إذن أن تسأل أين السلطة؛ أحيانا يجب أن تسأل أيضا: هل تستطيع المنظمة أن تحمل الحوكمة التي صممتها؟ لذلك لا توجد قائمة صحيحة تقول: الحكومي أولا ، ثم التجاري، ثم غير الربحي.

لكن توجد عدسة أدق.

اختبار قصير لأي قرار

إذا أردت معرفة صعوبة حوكمة قرار ما، ابدأ بأربعة أسئلة:

رسم توضيحي من مقال حدود التصميم، الشكل 14-1

السؤالان الأولان يكشفان السلطة الظاهرة والخفية.

والثلاث يكشف هل للنظامنهاية واضحة عند التعارض.
أما الرابع، فيكشف شيئا لا يظهر في مصفوفة الصلاحيات وحدها: أين تنتهي حدود التصميم؟

يستند المقال إلى خمس نقاط نظامية سعودية جارية، من نظام الشركات، ولائحة حوكمة الشركات الصادرة عن هيئة السوق المالية، وتنظيمات

* المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، والمعايير الأساسية للتحول الرقمي الصادرة عن هيئة الحكومة الرقمية.
المصادر عرضة للتحدي ث؛

وي رجع إلى نصها الجاري عند الاعتماد عليها في عمل تنفيذي.

قد تستطيع المنظمة أن تعيد رسم هيكلها كله، ثم تكتشف أن أصعب السلطات التي تحكم قرارها

تقع خارج الرسم

فالمهارة في الحوكمة ليست فقط في تصميم السلطة داخل المنظمة، بل في معرفة أين تنتهي قدرة المنظمة على تصميم السلطة

التي تحكم قرارها