هندسة مسار القرار
تعرف لائحتك من يعتمد القرار، ومن يملك تعديله أو إلغاءه.
فماذا تقول عما يجري بين اللحظتين؟
يصدر القرار صحيحًا من صاحب الصلاحية، ويبدأ تنفيذه على أساس سليم.
ثم تظهر معلومة مؤثرة تمس أحد الأسس التي بني عليها، فترفع للمراجعة، والمراجعة تحتاج وقتًا.
وفي هذا الوقت لا يقف العمل: تستكمل أعمال، وتجهز أخرى، وقد يوقع ما لم يكن موقعًا حين ظهرت المعلومة.
والمشكلة هنا ليست تأخر الحسم؛ إنها سؤال آخر لا تجيب عنه سلطة الحسم وحدها:
ماذا يجوز أن يحدث إلى أن يصدر؟
قد لا تحتاج المنشأة إلى إيقاف القرار؛ بل إلى معرفة من يملك إجازة الخطوة التالية أثناء مراجعته.
ليس السؤال: هل نوقف؟
حين تظهر معلومة تستدعي إعادة النظر، يضيق التفكير عادة إلى خيارين: نوقف، أو نستمر.
وهذان لا يستوعبان ما يجري فعلًا؛ فأعمال التنفيذ ليست جنسًا واحدًا.
منها ما يمكن تعديله أو الرجوع عنه بلا أثر يذكر، ومنها ما ينشئ التزامًا ماليًا أو تعاقديًا يصعب العدول عنه إلا بكلفة معتبرة.
مثال تعليمي: اعتمدت شركة مشروعًا، ثم ظهرت معلومة تمس أحد افتراضاته المالية، فرفعت للمراجعة.
يستطيع فريق المشروع أن يستكمل دراسات تكميلية ويجهز المخططات، وهذه لا تنشئ التزامًا جديدًا.
لكنه يستعد أيضًا لتوقيع عقد توريد لا يعدل عنه دون كلفة معتبرة.
هل يعامل العملان معاملة واحدة؟ وهل يكفي الاعتماد الأصلي للمضي في كليهما بعد أن ظهرت المعلومة؟
مثال تعليمي
من يجيز هذه الخطوة قبل الحسم؟
- ظهور المعلومة
- بلوغها المختص
- صدور الحسم
فترة المراجعة
هنا الفرق الذي يغيبه السؤال الثنائي:
مراجعة القرار لا تعني إيقاف آثاره كلها، وبقاؤه نافذًا لا يجيز وحده كل خطوة جديدة أثناء مراجعته.
وأشد المواضع حاجة إلى النظر الخطوة التي ينتقل بها التنفيذ من عمل يمكن تعديله إلى التزام يصعب العدول عنه: عتبة الالتزام الجديد.
ثلاث لحظات لا لحظة واحدة
لا تفهم فترة المراجعة ما لم تفصل فيها ثلاث لحظات تخلط عادة؛ لكل منها سؤالها، وما يفحص عندها:
| اللحظة | سؤالها | ما يفحص إن تعطل الأمر عندها |
|---|---|---|
| ظهور المعلومة | متى صارت متاحة؟ وما درجة موثوقيتها وأثرها في القرار؟ | هل تعين من يرفعها، وإلى من؟ |
| بلوغها صاحب الاختصاص | هل وصلت إلى من يملك تقدير أثرها أو إحالتها أو التدخل المؤقت؟ | هل لمن بلغته سلطة تدخل مؤقت، وما حدها؟ |
| صدور الحسم | متى قررت الجهة المختصة الاستمرار أو التعديل أو الإنهاء؟ | هل للحسم مهلة، وما أثر انقضائها؟ |
وما يفحص عند لحظة لا يغني عما يفحص عند غيرها، ولا يغني علاج إحداها عن الأخرى: تنظيم الإبلاغ لا يمنح سلطة التعليق، وتعيين صاحب التعليق لا يغني عن تنظيم الحسم، وتسريع الحسم لا يبين ما يجوز فعله قبله.
ومن هنا يتضح أن سلطة التدخل المؤقت، وسلطة إعادة النظر، وسلطة تعديل القرار أو إنهاء أثره وظائف مختلفة؛ قد تجتمع في جهة واحدة بسند يجيز ذلك، وقد تتوزع بين جهات.
والتعليق المؤقت — حين يجوز — ليس إلغاء للقرار ولا محوًا لما نشأ عنه؛ فقد يقتصر على أعمال معينة أو مدة محددة إلى أن يصدر الحسم.
المنظم صمم الفترة
لهذا المنطق شاهد في التنظيم السعودي.
ففي نظام المنافسات والمشتريات الحكومية الصادر عام ١٤٤٠هـ قررت المادة الثالثة والخمسون فترة توقف بعد إعلان قرار الترسية، لا يجوز خلالها اعتماد الترسية وتوقيع العقد، تمكينًا للمتنافسين من التظلم؛ ونظمت المادة السابعة والثمانون التظلم ومدد النظر فيه.
وأعاد النظام الجديد المنشور في جريدة أم القرى بتاريخ ٤ سبتمبر ٢٠٢٦م تنظيم فترة التوقف في مادته الخمسين، وحدد في المادتين الخامسة والثمانين والسادسة والثمانين أحكام التظلم وحالات استكمال التعاقد بعده.
لم يلغ المنظم الترسية؛ بل قيد استكمال التعاقد خلال فترة التوقف.
فالمنظم لم يوقف كل ما يتصل بالمنافسة: عين الفترة، وحدد ما لا يمضى فيه خلالها، ووضع مددًا لها آثار، وعين من يفصل في التظلم، ورسم طريق ما بعد الفصل.
وهذه أحكام فترة مخصوصة بعد الترسية وقبل التعاقد، لا تنظم قرارًا مؤسسيًا ظهرت فيه معلومة أثناء تنفيذه.
فما يؤخذ منها منطق التصميم لا الحكم: أن تضبط الفترة الانتقالية نفسها، لا القرار الذي يسبقها والقرار الذي يليها فحسب.
كيف تبدو الصنعة على الورق؟
هكذا تكتب مادة الصلاحية عادة، وهذا ما يمكن أن يضاف إليها في مثال مبني على افتراضات معلنة:
افتراضات المثال: منشأة قررت، بعد دراسة طبيعة قراراتها، أن يبقى التنفيذ أثناء المراجعة وأن تضبط الالتزامات الجديدة وحدها.
وفي منشأة أخرى قد يكون الأصل التعليق.
كما تكتب عادة
يعتمد [صاحب الصلاحية] المشروع وفق دراسة الجدوى المعتمدة، ويملك تعديل نطاقه أو إنهاءه.
بعد إضافة حكم الفترة — نموذج توضيحي
يعتمد [صاحب الصلاحية] المشروع وفق دراسة الجدوى المعتمدة، ويملك تعديل نطاقه أو إنهاءه.
التصرف أثناء مراجعة قرار نافذ
- يسري حكم هذه المادة من علم [مسؤول التنفيذ] بمعلومة من شأنها أن تغير أساسًا جوهريًا قام عليه القرار، وعليه رفعها إلى [صاحب صلاحية المراجعة] خلال [مدة] من علمه بها، ويبت فيها [صاحب صلاحية المراجعة] خلال [مدة المراجعة] من رفعها إليه.
- لا يبرم من وقت العلم إلى صدور الحسم عقد أو التزام جديد تتجاوز قيمته [حدًا]، أو تتجاوز كلفة العدول عنه [حدًا]، إلا بإجازة [الجهة المخولة بإجازة المضي أثناء المراجعة]، في حدود صلاحيات التعاقد والاعتماد المقررة.
- لـ[الجهة المسماة] تعليق [الأعمال المحددة في الجدول (...)] إذا [الشرط]، مدة لا تتجاوز [المدة]، مع إبلاغ [صاحب صلاحية المراجعة] فورًا؛ ولا يمتد التعليق إلى تعديل القرار أو إنهاء آثاره.
- إذا انقضت مدة المراجعة المحددة في الفقرة (١) دون حسم، أحيلت المسألة إلى [الجهة المختصة بالحسم وفق مصفوفة الصلاحيات]، ويبقى حكم الفقرة (٢) نافذًا إلى صدور الحسم.
النص الأول صحيح، ويجيب عن سؤالين: من يعتمد؟ ومن يعدل؟ ويسكت عما يجري بينهما.
أما الثاني، فالفقرة الأولى فيه تحدد متى يبدأ الحكم: من العلم بالمعلومة لا من رفعها، فلا تبقى بين اللحظتين فجوة بلا حكم.
والثانية هي عتبة الالتزام الجديد مصاغة: يمضي العمل، وتحبس الخطوة التي يصعب العدول عنها، على منطق المنظم حين قيد استكمال التعاقد ولم يلغ الترسية؛ ويجيزها من يملك إجازة المضي، لا من يملك المراجعة، ولا تتجاوز إجازته صلاحيات التعاقد القائمة.
والثالثة تعطي التدخل المؤقت شرطًا وحدًا ومدة.
والرابعة تجيب عن سؤال يترك عادة بلا جواب: ماذا يترتب إن انقضت المهلة ولم يصدر الحسم؟
والفراغات بين المعقوفين هي الرسالة: لا يملأ نص كهذا إلا بعد دراسة قرارات المنشأة وعقودها وصلاحياتها.
وقد يكون الجواب موجودًا متفرقًا في أكثر من وثيقة، فيجمع قبل أن يضاف شيء.
فالغاية ليست زيادة البنود، بل ألا يضطر أحد إلى اختراع قاعدة التصرف في اللحظة التي يحتاجها فيها.
اختبر مسار قرار واحد
اختر قرارًا مهمًا بدأ تنفيذه في منشأتك، وافترض ظهور معلومة موثوقة تمس أحد أسسه.
ثم ابحث عن جواب مسند لأربعة أسئلة:
- من يجب أن تبلغه المعلومة، وكيف يثبت أنها بلغته؟
- ما الأعمال التي يجوز استمرارها، وما الالتزامات التي تحتاج إجازة قبل إنشائها؟
- من يملك التدخل المؤقت، وما حده؟
- ماذا يترتب إن انقضت مهلة المراجعة بلا حسم، وكيف يعود التنفيذ إلى مساره بعده؟
فإن وجدت الأجوبة وسندها، فقد اتضح لك تنظيم هذه الفترة.
وإن غاب بعضها، فهنا يبدأ الفحص: أفي وثيقة لم تراجع هو، أم يحتاج تفسيرًا، أم استكمالًا من مصدره المختص؟
اختبار يوجه الفحص، لا حكم على سلامة المنشأة.
ليس المهم أن تعرف من يحسم القرار فحسب، بل ما الذي يجوز فعله قبل أن يحسمه.
وقد يكون أدق موضع في مسار القرار ليس لحظة توقيعه ولا لحظة تعديله، بل اللحظة التي يوشك فيها التنفيذ أن ينشئ التزامًا جديدًا، ومعلومة مؤثرة لا تزال قيد النظر.
المصادر والتحقق
نظام المنافسات والمشتريات الحكومية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/١٢٨) وتاريخ ١٣/١١/١٤٤٠هـ. مواضع الاستشهاد: المادتان ٥٣ و٨٧؛ ويقتصر استعمالهما على بيان منطق تصميم فترة التوقف، لا على تطبيق حكمهما خارج نطاقهما.
نظام المنافسات والمشتريات الحكومية الجديد المنشور في جريدة أم القرى بتاريخ ٤ سبتمبر ٢٠٢٦م.
مواضع الاستشهاد: المواد ٥٠ و٨٥ و٨٦ و١٠١؛ ولم يبدأ نفاذه في تاريخ كتابة المقال.