حوكمة · مجالس الإدارة · الجدارة بالحكم
«أنا أعلم من أعضاء مجلس الإدارة بهذه المسألة، فلماذا يكون القرار عندهم؟»
سؤال يستحق أن يؤخذ بجدية
ذلك سؤال يطرحه طبيب أو مهندس أو خبير أمضى سنوات يتعمق في تخصصه، ثم يرى مجلس الإدارة يتخذ قرارا يتصل بمسألة فنية من صميم تخصصه، وأكثر أعضائه لا يملكون عمق معرفته بها.
وفي السؤال خلط بين أمرين: من يملك القرار، ومن يجدر به.
فالمجلس قد يملك سلطة الحسم دون أن يملك أعضاؤه معرفة الخبير، والخبير قد يملك المعرفة الأعمق دون أن يكون الأجدر بالحكم المؤسسي.
فلا نعطي المنصب فضل المعرفة، ولا نعطي المعرفة وحدها فضل الجدارة.
والفرق يظهر في طبيعة القرار نفسه: فقرارات المجلس تتسع لفنون كثيرة لا يحيط بها مختص واحد مهما بلغ في فنه، وكل عضو، مختصا كان أو غير مختص، سيجد نفسه كثيرا أمام قرارات تتجاوز تخصصه.
هناك جدارة بمعرفة المسألة، وجدارة بممارسة الحكم فيها.
وهما ليستا شيئا واحدا.
تكبير الرسموهما لا تتعارضان: قد تجتمعان في إنسان واحد، وقد تفترقان، فيتفوق شخص في الأولى وآخر في الثانية.
مجلس متنوع… وعضو يتجاوز فنه
ما يعرض على المجلس متنوع بطبيعة المؤسسة: مسائل فنية، ومالية، وإدارية، ونظامية، واستراتيجية؛ وكثيرا ما تجتمع كلها في القرار الواحد.
ولهذا ينظر في اختيار الأعضاء على مستويين لا يغني أحدهما عن الآخر.
فالمجلس، بوصفه جماعة، يحتاج تنوعا في التخصصات: مختصا ماليا، ومهندسا في جهة هندسية، وخبيرا في الاستثمار حيث تكون الاستثمارات عصب العمل.
والعضو، بوصفه شخصا، يحتاج فوق تخصصه جدارة بالحكم فيما يعرض على المجلس كله.
تكبير الرسمتنوع الخبرات مطلوب للمجلس كله، واتساع الحكم مطلوب لكل عضو، مهما كان تخصصه.
فخبير الاستثمار يختار لأن الجهة تحتاج فنه، لكنه لا يجلس في المجلس ليحكم في الاستثمار وحده.
سيعرض عليه قرار تشغيلي، وآخر في الموارد البشرية، وثالث فيه مخاطر نظامية؛ ويحكم فيها كلها بما فوق فنه: يسأل حيث يجب السؤال، ويستوضح حيث يكفي الاستيضاح، ويرجح حيث يملك الترجيح، ويقف حيث ينتهي علمه.
بل تعمل هذه الجدارة حتى في فنه هو.
فالعضو المختص لا ينقل رأيه الفني إلى المجلس كما ينقله الخبير في تقريره، بل يحاكم فنه قبل أن يحكم به.
فخبير الاستثمار لا يزن المشروع بعائده وحده، بل يضع رأيه أمام الاعتبارات النظامية والتشغيلية والإنسانية.
تكبير الرسميدخل العضو المجلس بفنه، ويحكم فيه بما فوق فنه… حتى في فنه.
ولا يبدل العضو بذلك الحقيقة الفنية: فالحساب الصحيح يبقى صحيحا، والحكم الطبي الصحيح يبقى صحيحا.
ما يراجعه هو حدود ما تثبته معرفته، وكفاية توصيته لترجيح القرار المؤسسي.
لماذا قد نختار الأقل تفوقا فنيا؟
لنفترض، في مثال افتراضي يمتد في بقية المقال، طبيبين مرشحين لمقعد واحد في مجلس إدارة منشأة صحية.
الأول أعمق معرفة طبية وأكثر تمكنا في تخصصه.
والثاني أقل منه عمقا، لكنه متقن لفنه، يملك الكفاية الفنية التي يفهم بها المسألة الطبية.
وعرض ملف التوسع في وحدة العناية المركزة على كل منهما في مقابلة الترشيح.
كلاهما يعرف الحاجة الطبية إليه، وكلاهما يفهم متطلبات السلامة.
لكن المقترح بني على افتراض لم يختبر: أن الكوادر المؤهلة ستكون جاهزة عند بدء التشغيل.
يؤيد الأول التوسع مطمئنا إلى الحاجة وإلى ما يعرفه من متطلباتها.
ويسأل الثاني: ما الدليل على جاهزية الكوادر في الموعد؟ وماذا يتغير في القرار إن تأخرت؟
تكبير الرسمفالذي رجح الثاني في هذا الموقف جودة حكمه، لا قلة عمقه الفني؛ ولو اختبر الأول الافتراض أيضا لما كان في الموقف ما يرجح الثاني.
فالمجلس لا يحتاج من الطبيب أن يجري العملية، ولا أن يبلغ أقصى العمق في تخصصه.
يحتاج منه أن يسأل السؤال الصحيح، ويفهم الجواب، ويميز الرأي الفني المعتبر من غيره.
العمق الدقيق مرجح في المسألة الفنية، وفي المجلس رصيد لا يرجح وحده، ولو لم يكن في المجلس طبيب غيره.
العيب ليس في عمق الفن، بل في الاكتفاء به.
ولهذا فالسيرة المهنية الممتازة دليل على خبرة صاحبها، لا على جودة تفكيره داخل المجلس؛ والسؤال عن المرشح ليس: كم يعرف؟ بل: هل يختبر ما يبنى عليه القرار؟
ثلاثة خبراء أمام قرار واحد
وحين عرض المقترح نفسه على المجلس، تكلم ثلاثة خبراء.
يقول المختص الطبي: التوسع مطلوب لاستقبال الحالات.
ويقول المسؤول المالي: الموارد لا تكفي بالحجم المقترح.
ويقول المسؤول التشغيلي: تجهيز الكوادر سيحتاج وقتا أطول مما تفترضه الخطة.
ثم يطلب رئيس المجلس الحسم في الاجتماع.
هنا يختبر صاحب القرار.
فالآراء الثلاثة قد تكون صحيحة جميعا، ولا تتعارض بالضرورة؛ لأن كلا منها يجيب عن جانب مختلف: الحاجة الصحية، والقدرة التمويلية، وجاهزية التنفيذ.
صاحب التفكير الضعيف يتبع أكثر المتحدثين ثقة، أو صاحب المنصب الأعلى، أو يلجأ إلى تسوية وسطية دون أن يختبر طبيعة الخلاف.
وصاحب الحكم الأجود يبدأ بسؤال آخر: على ماذا اختلفوا بالضبط؟ ثم يفرز ما سمعه في ثلاث خانات لا يخلط بينها:
شرط فني لازم: كحدود السلامة والكوادر المؤهلة التي يتطلبها تشغيل الأسرة.
هذا لا يتحول إلى مفاضلة مالية، ولا يحسم بالتصويت؛ يستوفى، ولو بتعديل نطاق التوسع، وإلا فلا تنفيذ.
معلومة ناقصة: هل الموارد لا تكفي للتوسع أصلا، أم للحجم المقترح وحده؟ وهل يمكن تجهيز الكوادر على مراحل؟ هذه أسئلة تطلب أجوبتها قبل الحسم، ولا تفترض.
مفاضلة مؤسسية: إذا استوفي الشرط واكتملت المعلومة، بقي الاختيار بين توسع كامل متأخر، أو جزئي عاجل، أو تأجيل.
هنا موضع حكم المجلس، وهنا يمارس صلاحيته.
فإن طلب الحسم قبل اكتمال المعلومة، فالحكم الأجود أن يبين العضو أي معلومة تنقص، ولماذا يغير غيابها القرار؛ لا أن يصوت على ما لم يتضح أساسه.
تكبير الرسملا يحتاج أن يتفوق على كل خبير في تخصصه؛ يحتاج أن يعرف كيف يستفيد من معرفة الخبراء، وما الذي لا يجوز له أن يستنتجه منها.
الذكاء ليس الانضباط الفكري
ذلك ما يعرفه العضو وحدود معرفته.
أما كيف يحكم بما يعرف، فيظهر في لحظة أخرى من الاجتماع: عضو بنى في أول الجلسة حجة قوية للتوسع الكامل، ثم جاءت معلومة الجاهزية تضعف أساسها.
هنا يفترق عضوان، كلاهما قادر على بناء الحجة المقنعة.
الأول يستعمل قدرته في الدفاع عن حجته، ولا يحتمل أن يكتشف خطأها.
والثاني يلاحظ الافتراضات، ويطلب الدليل المخالف، ويراجع تقديره حين تتغير المعلومة التي بناه عليها.
فالذكاء يمكنك من الدفاع عن رأيك، والانضباط الفكري يمكنك من اكتشاف متى ينبغي أن تغيره؛ ومن جمعهما فهو الأقدر.
وهي قدرة تنمى بالممارسة والتصحيح، ويكشفها السلوك حين تأتي معلومة لا توافق الرأي، لا الثقة في الحديث.
ليس كل من يستطيع بناء حجة قوية مستعدا لاختبارها بقوة مماثلة.
والذكاء المكابر واحد من
أشباه تلتبس بخصال الحكم وتفسدها؛ فلكل خصلة يحتاجها الحكم شبيه يشبهها في الظاهر:
تكبير الرسمقوة الشخصية ليست جودة الحكم
ونعود إلى الاجتماع.
أدرك أحد الأعضاء أن تقدير الجاهزية يحتاج معلومات إضافية، والرئيس يريد التصويت الآن.
قد يصمت خوفا من إحراج الرئيس، وقد يعترض بعنف ليظهر استقلاله، وقد يطلب استكمال المعلومة ويبين لماذا يغير غيابها القرار، ثلاثة تصرفات، وليس أعلاها صوتا أقواها.
وقوة الشخصية ليست برودا لا يتأثر، ولا انفعالا يقود.
فمعاناة المرضى اعتبار حقيقي، وقد تبرر تقديم منفعة صحية على وفر مالي، في حدود الاختيارات المشروعة والممكنة.
والفرق بين شعور يقود القرار دون انتباه، واعتبار إنساني يدخله العضو في المفاضلة عن وعي.
الحكم الرشيد لا يلغي العاطفة؛ بل يميز بين الانفعال الذي يؤثر خفية، والقيمة الإنسانية التي تراعى عمدا.
الأمانة ليست القدرة
قد تثق بأمانة مرشح، ثم يكشف اختباره أمام قرار مركب أنه لا يحسن وزن بدائله؛ وقد تعجبك قدرة مرشح على التحليل، ثم يتبين أنه أخفى مصلحة مؤثرة له في القرار.
فلا تستدل بإحداهما على الأخرى.
والمقعد يحتاج الأمرين معا: أمانة تجعل الحكم للمنشأة لا لصاحبه، وقدرة تحكمه، لا حسن النية وحده.
الاستحقاق الأخلاقي للثقة غير الكفاءة المعرفية والعملية للمسؤولية، ولا يعوض نقص أحدهما بزيادة الآخر.
ولهذا لا توزن متطلبات العضوية كلها بميزان واحد: بعضها لازم في كل مقعد لا يعوضه غيره، وبعضها قدرات للحكم يحتاجها كل عضو، وبعضها خبرات يشتد وزنها أو يخف بحسب ما يحتاجه المجلس.
تكبير الرسملذلك لا تتطابق متطلبات مقعد في مجلس مستشفى ومقعد في مجلس صندوق استثماري، مع اشتراكهما في الأساس.
قبل أن تحكم على العضو… افحص سبب سلوكه
قد يملك العضو المعرفة والقدرة على الحكم، ثم لا تتيح له بيئة المجلس ممارستهما.
والبيئة ليست من جدارة العضو، لكنها قد تخفيها؛ ومن حكم على العضو قبل فحصها أخطأ في الحكم عليه.
ولنفترض مسارا آخر للاجتماع: وافق المجلس على التوسع، ولم يثر أحد نقص معلومة الجاهزية.
فهل لم يروا النقص، أم رأوه وسكتوا، أم لم تتح لهم فرصة فحصه؟
تكبير الرسملذلك لا يبدأ العلاج بتدريب عضو، أو استبداله، أو تعديل لائحة؛ يبدأ بتشخيص السبب، وقد تجتمع أكثر من علة في الحالة نفسها وفي ذلك مسؤوليات لغير العضو:
رئيس المجلس: في الشركات المدرجة تجعل لائحة حوكمة الشركات (المادة ٢٦) من اختصاصه ضمان حصول الأعضاء في الوقت المناسب على المعلومات الكاملة والواضحة والصحيحة، والتحقق من مناقشة المجلس المسائل الأساسية بفعالية.
فالدفع إلى حسم نهائي قبل توافر المعلومات التي يتوقف عليها القرار خلل في إدارة الاجتماع، لكنه لا يعفي عضوا أدرك النقص وسكت عنه.
أمانة المجلس: تعين العضو في تنظيم المعلومات وتوقيتها، وإعداد الاجتماع، وتيسير الاستعانة بالخبراء؛ لكنها لا تفكر عنه، ولا تمارس مسؤوليته نيابة عنه.
مصمم الحوكمة: يضبط في التصميم التنظيمي متى تصل المعلومات، ومن يعرض الرأي الفني، وكيف يوثق الاعتراض المسبب.
فالمجلس يحتاج أشخاصا قادرين على الحكم، وبيئة تتيح لهم ممارسته.
ولا تكفي نتيجة القرار وحدها للحكم على جودته ولا على أعضائه؛ فقد ينجح اختيار ضعيف الأساس بالمصادفة، ويفشل اختيار منضبط لمخاطر لم يكن توقعها ممكنا.
فمن الأجدر بالمقعد؟
ليس بالضرورة من يحمل الشهادة الأعلى، ولا من يتحدث بثقة أكبر، ولا من يجمع أكثر الصفات الجميلة في سيرته.
الأجدر من تتوافق قدراته وسلوكه ونزاهته ومعرفته مع المسؤولية التي سيحملها.
ولهذا تختبر الجدارة بمطابقة المرشح لما يتطلبه المقعد، بشواهد يمكن ملاحظتها، لا بإجابة واحدة في مقابلة، ولا بانطباع شخصي.
وحيث توجد لجنة للترشيحات فهذا من صميم عملها: تقترح سياسات العضوية ومعاييرها، وتعد وصف القدرات والمؤهلات التي يحتاجها المجلس، وتراجع احتياجاته من المهارات والخبرات، وقد تجمعها في مصفوفة لمهارات المجلس.
تكبير الرسمفالمقعد لا يحتاج دائما إلى أعلم الحاضرين، بل إلى من يجمع الجدارة التي تتطلبها قراراته.
ليس السؤال: من يعرف أكثر؟ بل: من يملك المعرفة اللازمة، ويحسن تحويلها إلى حكم مؤسسي؟