ما تشتريه لم يوجد بعد: بين توقيع العقد وظهور المخرج مساحة جهالة تكبير الرسم
ما تشتريه لم يوجد بعد: بين توقيع العقد وظهور المخرج مساحة جهالة

٧٢٪ من أصحاب العمل المشاركين يجدون صعوبة في العثور على الكفاءات التي يحتاجونها.

هذه نتيجة استطلاع مانباور غروب لعام ٢٠٢٦، الذي شمل نحو ٣٩ ألف صاحب عمل في ٤١ بلدا ومنطقة.١
العثور على الكفاءة يشغل أصحاب العمل؛ والعثور عليها لا ينهي صعوبة الاختيار.

وحين يصل المدير إلى مرشح تبدو خبرته مناسبة، يبدأ هم ثان أثقل: هل يستطيع إنجاز هذا العمل، في هذه البيئة، ومع هذا الفريق؟

فقد أعجبه من قبل شخص لم يجد في عمله ما انتظره.
وقد عرف شخصا متقنا، ثم تغير أداؤه حين تغيرت مهمته أو إدارته: هل أخطأ في تقدير قدرته؟ أم وضعه في عمل يختلف عما يتقنه؟ أم كانت كفاءته تظهر مع فريق يكمل خبرته، وفي بيئة تتيح له ما يحتاجه، ثم تغير ذلك؟

والعمل لا ينتظر حتى يكتمل الاطمئنان؛ للانتظار كلفته، وللاختيار غير الموفق كلفته أيضا.

وإذا كان اختلاف الأداء يحير المدير في شخص عرفه وعمل معه، فالتعامل الأول في مهمة استشارية محددة يترك أسئلة تحتاج إلى كشف مبكر.
ففي علاقة وظيفية ممتدة تتاح فرص للتعلم والتصحيح؛ أما في التكليف القصير، فالوقت الذي يتعرف فيه المكتب إلى أداء المختص يستهلك من وقت إنجاز المهمة نفسها.

ومع مضي المهمة يزداد اعتماد الفريق على المعالجة، ثم يصل أثرها إلى العميل باسم المكتب: وعد قطعه المكتب، وفريق بنى على العمل، وعميل ينتظر النتيجة ممن اختاره وائتمنه.

ما الذي يعرف قبل الشراء؟

السيارة الجديدة طراز معلوم المواصفات؛ يختار المشتري مزاياها، ويفحص مطابقتها.
والوجبة تعرف بالتذوق، وتجربتها المعتادة محدودة الكلفة.

أما الاستشارة، فالمطلوب منها فهم وتشخيص وترجيح.
يمكن وصف العمل المطلوب، لكن كيفية معالجته لم تظهر بعد.
بل إن اكتشاف المسألة التي تستحق المعالجة قد يكون جزءا من عمل المستشار نفسه.

لهذا تحمل الاستشارة خصائص «سلع الثقة»: قد يصعب تقييم جودتها حتى بعد تلقيها، لأن الحكم عليها يحتاج إلى الخبرة التي استعين بالمختص من أجلها.٢

السيارة تُفحص، والوجبة تُذاق، والاستشارة تُصدّق قبل أن تُرى تكبير الرسم
السيارة تُفحص، والوجبة تُذاق، والاستشارة تُصدّق قبل أن تُرى

ما الذي صنع الأداء الذي رأيناه؟

تغير أداء شخص بعد انتقاله يفتح أكثر من احتمال: مهمة تتطلب مهارة أخرى، أو فريق مختلف، أو معلومات وموارد لم تعد متاحة، أو طريقة عمل جديدة تحتاج إلى تعلم.

وقد يكون النجاح السابق حقيقيا تماما؛ ويبقى فهم ما جعله ممكنا.

في دراسة على محللين ماليين بارزين، كان تراجع الأداء بعد الانتقال أشد لدى من انتقلوا منفردين أو إلى مؤسسات أقل قدرة.٣
فالنتيجة التي تنسب إلى الشخص تشارك في صنعها البيئة التي يعمل فيها.

وفي الحوكمة، قد تجمع المهمة بين معرفة نظامية وفهم إداري وصياغة تنظيمية.
وإتقان جانب منها لا يجيب وحده عن القدرة على جمعها في معالجة واحدة.

والسؤال الذي يشغل المكتب: هل ستظهر القدرة التي يحتاجها عملنا هنا؟

أربع وسائل يبني بها المكتب معرفته

السيرة والمؤهلات تكشفان مسار التعلم والممارسة.
والأعمال السابقة تظهر إنجازا يمكن فحصه.
والتوصيات تحمل تجربة من تعامل مع المختص.
وفي المقابلة يتضح فهمه وطريقة عرضه ومناقشته.

أربع وسائل تبني بها معرفتك: السيرة، والأعمال، والتوصيات، والمقابلة تكبير الرسم
أربع وسائل تبني بها معرفتك: السيرة، والأعمال، والتوصيات، والمقابلة

هذه معرفة يبني عليها المكتب قراره.
وتزداد فائدتها كلما اتصلت بالمهمة المقبلة: المهارة التي مارسها، ودوره في الإنجاز، وما جربه منه الموصي، والمسائل التي يناقشها في المقابلة.

لكن طريقة الاختيار تواجه خسارتين: الاعتماد على من لا يحقق المتوقع، وتفويت شخص كان يستحق فرصة أفضل لإظهار قدرته.
فالإقناع قد يرفع الثقة أسرع من دقة الحكم؛ في تجربة على ١٣٢ مسؤولا عن قرارات التوظيف، طلب منهم اختيار المرشح الأعلى أداء، فارتفعت ثقة من أضيفت لهم تقييمات المقابلة الحرة وانخفض صوابهم.٤
والتوتر قد يخفض التقييم مع بقاء الإجابة نفسها؛ في تجربة أخرى شاهد ٨٢٣ شخصا من ذوي الخبرة الإدارية مقابلات بإجابات ومؤهلات متطابقة، واختلفت مظاهر التوتر وحدها.٥

خسارتا الاختيار: الثقة الزائدة وتفويت من يستحق فرصة تكبير الرسم
خسارتا الاختيار: الثقة الزائدة وتفويت من يستحق فرصة

لذلك يحتاج المختص الجيد إلى فرصة تظهر عمله، كما يحتاج المكتب إلى وسيلة تساعده على رؤيته.

وللتوصيات قيمة واضحة أيضا.
ففي بيانات تسع شركات كبرى بثلاثة قطاعات، كان القادمون بترشيحات الموظفين أقل احتمالا لترك العمل بنسبة ١٠–٣٠٪ من غير المرشحين، مع إنتاجية مماثلة في أغلب المقاييس.
وربط الباحثون الميزة أساسا بحسن المواءمة للوظيفة، وكانت ترشيحات الموظفين مرتفعي الإنتاجية أكثر قيمة.٦

المعرفة بالشخص نافعة، ومعرفة ما يناسبه تزيدها نفعا.

ما الذي يجعل القرار ثقيلا؟

المكتب يحتاج إلى إنجاز العمل.
وتأخير الاختيار يبقي الحاجة قائمة، وقد يحمل الفريق ما ينقصه من خبرة أو قدرة.
وليست هذه حاجة مكتب بعينه؛ ففي استطلاع تقرير «مستقبل الوظائف ٢٠٢٥» عد ٦٣٪ من أصحاب العمل المشاركين فجوات المهارات عائقا رئيسيا أمام تحول أعمالهم.٧

والاختيار غير الموفق يحمله كلفة أخرى: وقتا لاكتشاف النقص، وجهدا لإعادة المعالجة، وربما تأخرا في التسليم.
وإن وصل العمل إلى العميل، اتصلت النتيجة بثقته في المكتب.

حين تسند إلى غيرك، يكتب هو العمل، ويسأل عنه اسمك أنت.

ويزداد الأمر صعوبة حين يبدو المخرج متقنا:

قد يكون ما كتبه صحيحا، ويكون ما أغفله هو الأهم.

معلومة مؤثرة لم يطلبها، أو افتراض لم يتحقق منه، أو فرق بين بيئتين لم يدخل في توصيته.
في الحوكمة مثلا، قد تصاغ مصفوفة صلاحيات محكمة، ويبقى خارجها من يقرر فعلا.
وقد لا يظهر أثر ذلك إلا حين يبدأ الفريق أو العميل في الاعتماد على المعالجة.

ما يظهر في المخرج… وما لا يظهر فيه تكبير الرسم
ما يظهر في المخرج… وما لا يظهر فيه

وحين يصعب التحقق من دقة المشورة، قد تزيد ثقة مقدمها تأثيره، وتقلل استعداد المتلقي لطلب معلومات تكشف أداءه.٨
وكلما اتسع الاعتماد على عمله، احتاج تغيير المسار إلى جهد أكبر.

الاعتماد بقدر المعرفة

رفع الجهالة لا يتحقق بطريقة واحدة.
فبعضها ترفعه معلومات أدق، وبعضها يكشفه العمل، وبعضها يحتاج إلى عين مهنية أخرى.
والمهم أن تؤثر المعرفة المتاحة في مقدار الاعتماد على المختص.

أربعة علاجات متتابعة: الاختيار، والمعاينة، والرأي المستقل، وتدرّج الالتزام تكبير الرسم
أربعة علاجات متتابعة: الاختيار، والمعاينة، والرأي المستقل، وتدرّج الالتزام

أولا: تحسين الاختيار

تبدأ المعالجة بتحسين الاستفادة من وسائل الاختيار: مقابلة مرتبطة بالمهمة، وفهم دور المختص في أعماله السابقة، وتوصية ممن عرف أداءه في عمل مشابه.
فالمقابلة المبنية على مسائل العمل، بأسئلة معدة وتقييم منضبط، تعطي معرفة أفضل من الحديث الحر:٩

قوة الصلة بالأداء: المقابلة المنظمة وعينة العمل وغيرهما تكبير الرسم
قوة الصلة بالأداء: المقابلة المنظمة وعينة العمل وغيرهما

واسأله عن أثر ما قدم: ماذا ظهر عند التطبيق؟ وما الذي عدله بعده؟ فالخبرة تنمو بالتعلم من نتائج الأحكام.١٠

ماذا تعلمت من نتائج ما قدمت؟

ثانيا: رؤية أداء فعلي

ثم تأتي فرصة لرؤية العمل نفسه: تكليف مستقل أو عينة مناسبة، ينفذها الشخص أو الفريق الذي سيتولى العمل.
يختار لها عمل يمثل المهارة المطلوبة، ويتيح للمختص ما يحتاجه من معلومات وتعاون.
فجمع المعلومات وحده لا يكفي للحكم على قدرته، كما أن مهمة بعيدة عما سيتولاه لن تكشف ما يحتاج المكتب إلى معرفته.
وهذا أقرب ما يكون إلى «عينة العمل» في أبحاث الاختيار، وهي من أقوى أدواتها صلة بالأداء.٩

وفي العمل المشترك، تتضح أمور يصعب اختزالها في السيرة: كيف يفهم المسألة، وماذا يسأل، وكيف يستفيد من معرفة الفريق، وماذا يفعل حين تظهر معلومة تغير رأيه.

مفتاحا المعاينة: ما يسأله، وما يتغير إذا اختلفت الحالة تكبير الرسم
مفتاحا المعاينة: ما يسأله، وما يتغير إذا اختلفت الحالة

ويتحول ما يشغل المكتب قبل الإسناد إلى شيء يرى أثناء المعاينة:

ما يشغلك قبل الإسنادما تراقبه أثناء المعاينة
هل سيفهم أصل المسألة؟كيف يحددها، وما المعلومات التي يطلبها
هل تناسب معالجته واقعنا؟كيف يربط توصيته بالظروف، وما الذي يغيرها
كيف سيعمل مع فريقنا؟كيف يستمع إلى معرفتهم ويناقشها ويبني عليها
هل يعرف حوكمتنا نحن، لا الحوكمة عامة؟هل يفرق بين ما تقوله اللائحة وما يجري فعلا، وبين الصلاحية المكتوبة ومن يقرر في الواقع
هل يمثل المعروض من سيتولى العمل؟أداء الشخص والفريق اللذين سيباشران المهمة فعلا

وتصلح للمعاينة مسألة قائمة، أو حالة سابقة تجوز إتاحتها وتعرف تفاصيلها.
والمعالجة السابقة مرجع للمقارنة؛ فالتطابق معها ليس شرطا للجودة.

ثالثا: رأي مهني مستقل

حين يصعب على صاحب العمل تقييم المعالجة، أو تكون آثارها كبيرة، قد يعين رأي مهني مستقل على الحكم عليها؛ فمشاهدة المخرج وحدها لا تمنح المشتري دائما القدرة على تقييمه.

رابعا: تدرج الالتزام

يمكن الاتفاق على مرحلة أولى داخل العقد تظهر فيها القدرة، تعقبها محطة للاستمرار أو التوقف دون إبداء سبب، وفق الاتفاق.
بهذه الصورة تستعمل المعرفة التي ظهرت في قرار عملي.

عمل يكشف، وقرار يبقى حرا

تختار محطة القرار بعد ظهور أداء يسمح بحكم مفيد، وحين يبقى تغيير المسار ممكنا بكلفة مقبولة للطرفين.
وللمستشار فيها فرصة عادلة لإظهار قدرته، وجهد يعرف ما يقبل تحمله.
وقبوله بها مخاطرة يتحملها؛ ومن يقبلها يراهن على عمله.

المعاينة تشهد لما اختبرته.
وهي تضيف إلى الخبرة والمؤهلات والأعمال والتوصيات تجربة تخص المكتب ومهمته.
وقد تكشف سببا للاستمرار، أو سببا للتوقف.

وأحيانا تحفظ «لا» مبكرة وقت الطرفين وعلاقتهما.

من مجموع المعرفة إلى القرار: الإسناد يقوم على بيّنة تكبير الرسم
من مجموع المعرفة إلى القرار: الإسناد يقوم على بيّنة

هذا هو رفع الجهالة قبل الإسناد: أن يرى المكتب من الأداء ما يعينه على القرار، بينما ما زالت لديه فرصة للاختيار.

قبل أن يتسع الاعتماد عليه، امنح العمل فرصة أن يكشف صاحبه.

لا تحمل الثقة ما تستطيع الحوكمة أن تحمله بدلا عنها.

القرينة · المعاينة · البينة

الإحالات

  1. مانباور غروب (٢٠٢٦)، استطلاع نقص المواهب العالمي: ٣٩٬٠٦٣ صاحب عمل في ٤١ بلدا ومنطقة.

    manpowergroup.com/talent-shortage
  2. دوليك وكيرشبامر (٢٠٠٦)، اقتصاد سلع الثقة: عن الأطباء والميكانيكيين ومختصي الحاسب.

    doi:10.1257/002205106776162717
  3. غرويسبرغ ولي ونندا (٢٠٠٨)، قابلية انتقال أداء العاملين المعرفيين البارزين.

    doi:10.1287/mnsc.1070.0809
  4. كاوسل وكولبرتسون ومادريد (٢٠١٦)، الثقة المفرطة في اختيار الموظفين.
    الأرقام من التجربة الأولى؛ ودعمت تجربة ثانية الاتجاه نفسه.

    doi:10.1016/j.obhdp.2016.07.005
  5. ماستريلا وباول وبوناتشيو ومكمرتري (٢٠٢٣)، أثر سلوك التوتر غير اللفظي في تقييم المقابلة؛ والرقمان متوسطا تقييم المقابلة لا الأداء الوظيفي.

    Journal of Personnel Psychology, 2023
  6. بيركس وكاوغيل وهوفمان وهاوسمان (٢٠١٥)، قيمة التوظيف عبر ترشيحات الموظفين.

    doi:10.1093/qje/qjv010
  7. المنتدى الاقتصادي العالمي (٢٠٢٥)، تقرير مستقبل الوظائف.

    weforum.org/publications/the-future-of-jobs-report-2025
  8. ساه ومور وماكون (٢٠١٣)، أثر الثقة والدقة في مصداقية مقدم المشورة وإقناعه.

    doi:10.1016/j.obhdp.2013.02.001
  9. ساكيت وزملاؤه (٢٠٢٣)، إعادة النظر في تصميم أنظمة الاختيار، الجدول الأول.
    أبحاث التوظيف هنا شواهد يستأنس بها في اختيار المستشار.

    doi:10.1017/iop.2023.24
  10. كانمان وكلاين (٢٠٠٩)، شروط الخبرة الحدسية.

    doi:10.1037/a0016755
صالح بن أحمد الغصنمصمّم أطر الحوكمة وصائغ وثائقها التنظيميةq.sv@hotmail.com