هندسة مسار القرار
تتكدس المعاملات على مكتب الرئيس التنفيذي.
عقود تنتظر توقيعه، ومشتريات تحتاج موافقته، وطلبات ترفع إليه، وأعمال لا تتحرك حتى تمر بمكتبه.
ومع توسع الشركة، يتسع طابور الانتظار.
يبدو الحل واضحا: توزيع المزيد من الصلاحيات على المديرين.
لكن هذا الحل يبدأ من افتراض لم نختبره: أن كل ما يصل إلى مكتب الرئيس يحتاج إلى قرار منه، وأن سبب وصوله نقص التفويض.
فماذا لو كانت المعاملات المتشابهة على مكتبه تخفي مشكلات مختلفة، لا يصلح لها علاج واحد؟
تكبير الرسمتوقيع الرئيس على الورقة نفسها قد ينشئ اعتمادا، أو يتم تنفيذا، أو يثبت اطلاعا؛ وقد تمر الورقة بمكتبه بلا وظيفة.
ولكل صورة فحصها، والدائرة المملوءة موضع قرار.
أولا الورقة تصل… لكن ماذا يفعل توقيعك؟
لنفترض أن عقدا وصل إلى مكتب الرئيس للتوقيع.
قد يكون توقيعه هو الاعتماد الذي يأذن للشركة بالالتزام.
وقد يكون العقد قد اعتمد من صاحب الصلاحية، ولم يبق إلا توقيع تنفيذي لاستكماله.
وقد يكون المطلوب مجرد إثبات اطلاع الرئيس على قرار صدر بالفعل.
وفي صورة أخرى، لا يحتاج العقد إلى قرار منه أصلا، لكنه يمر بمكتبه لأن إجراء معتادا أو نظاما تقنيا جعله محطة في الطريق.
الورقة واحدة في ظاهرها، والوجهة واحدة، لكن وظيفة تدخل الرئيس تختلف.
ما يحتاج اعتمادا يجب أن يصدر اعتماده من صاحب الاختصاص، وفي مرحلته الصحيحة.
وما اعتمد بالفعل ولم يبق إلا توقيعه التنفيذي يسأل فيه: هل يلزم توقيع الرئيس تحديدا؟ فإذا لم يلزم، انتقل التوقيع ولم تنتقل سلطة الاعتماد.
وما يعرض للاطلاع لا تتحول الإحاطة به إلى موافقة لمجرد توقيع الرئيس عليه.
أما المرور الذي لا يستند إلى وظيفة لازمة، فعلاجه تصحيح المسار، لا توسيع التفويض.
مسار الورقة لا يكشف وحده مسار القرار.
وهنا يظهر خلط أشد أثرا من كثرة التوقيعات.
قد ترفع مذكرة بعنوان «للاطلاع»، بينما ينتظر العاملون توقيع الرئيس عليها لبدء التنفيذ.
وقد يكتب على ورقة «للاعتماد»، مع أن القرار اعتمد سابقا والمطلوب إجراء آخر.
اسم المعاملة لا يحسم طبيعتها.
الحاسم هو الأثر الذي يراد إحداثه، ومن يملك إحداثه.
فإذا كان تمديد عقد يحتاج إلى اعتماد سابق، فلا يكفي أن ينفذ التمديد ثم تصل مذكرة إلى الرئيس فيكتب عليها «اطلعت».
العلم بوقوع التصرف ليس إذنا سابقا به، ولا يعد بمجرده إجازة لاحقة.
قد تصل الورقة إلى صاحب الصلاحية، دون أن يقع بها القرار الذي كان يجب أن يصدر منه.
اختبار على مكتبك
ماذا يضيف تدخلي هنا؟
اطرح هذا السؤال على آخر المعاملات التي وصلت إليك: هل ينشئ تدخلي اعتمادا؟ أم يتم تنفيذ قرار سابق؟ أم يثبت اطلاعا؟ أم أن المعاملة تمر بي دون وظيفة لازمة؟ هذا السؤال لا يحسم سلامة المعاملة، لكنه يكشف أن ما يتجمع على المكتب ليس نوعا واحدا من الأعمال.
ثانيا القرار يحتاج حسما… فلماذا يحسم عندك؟
بعد تمييز ما يحتاج قرارا فعلا، يبقى سؤال آخر: لماذا يحسم هذا القرار في مكتب الرئيس؟ وهنا تتغير المعالجة بتغير السبب.
اختصاص لا يقبل التفويض.
الرفع صحيح، ولو استهلك وقت الرئيس.
والعلاج هنا ألا تفوض.
فإن أثقله شيء فهو إعداد المعاملة ومسارها، لا موضع الصلاحية.
اختصاص يقبل التفويض، ولم تمنح صلاحيته لمن يباشر العمل.
فيرتفع القرار لأنه لا يجد صاحبا دون الرئيس.
هنا ينظر في منح التفويض إذا كانت حاجة العمل وطبيعة القرار تسوغان ذلك، مع ضبط حدوده.
قرار يملكه المدير، لكن المعلومة لا تصله.
الصلاحية موجودة، والقدرة على استعمالها ناقصة بسبب المعلومة.
زيادة التفويض لا تعالج نقص المعلومات.
والعلاج تمكين صاحب القرار من الوصول إلى المعلومات اللازمة في وقتها.
قرار يملكه المدير، والمعلومة متاحة، ومع ذلك يرفع.
هنا لا نتعجل الحكم على المدير؛ نفحص ما إذا كان الإجراء يفرض موافقة إضافية، أو أن حدود ممارسة الصلاحية غير واضحة، أو أن معيار المساءلة عنها لم يضبط.
أما الموافقة الإضافية، فيفحص سندها ووظيفتها؛ فإن لم تكن لازمة، صحح الإجراء بإزالتها ممن يملك تعديله.
فالصلاحية تحدد ما يستطيع المدير أن يقرره، أما المساءلة فتتعلق بما يطلب منه عند ممارسة هذه الصلاحية: ما العناية المنتظرة؟ وعلى أي أساس يقيم تصرفه؟ ومتى يلزمه التصعيد؟ إذا كان غموض هذه الحدود سبب الرفع، فلا يعالجه توسيع التفويض؛ بل توضيح ما يملكه المدير وما يساءل عنه.
قرار تختلف عليه جهتان.
لم ينظم من يحسم اختلافهما، فيصعد الخلاف إلى الرئيس.
والعلاج هنا ليس صلاحيات أوسع لكل جهة؛ بل حكم معلوم يحدد من يحسم اختلافهما.
قرار يتكرر بمعيار حسم ثابت.
تكرار المعاملة لا يعني أن القرار يمكن إلغاؤه.
لكن تكرار معيار الحسم يطرح سؤالا مختلفا: هل يمكن تنظيم هذا المعيار في قاعدة معتمدة، بدل إعادة الحسم في كل مرة؟ فإذا ثبت ذلك، كان العلاج اعتماد قاعدة تضبط الحالات المتكررة، مع إبقاء ما يحتاج إلى تقدير مستقل لدى صاحبه.
هذه الحالات كلها تظهر للرئيس بصورة واحدة: معاملات لا تحسم إلا إذا وصلت إليه.
لكن علاجها ليس واحدا.
تكبير الرسمالتفويض علاج محتمل لسبب واحد من ستة: اختصاص يقبل التفويض ولم يمنح لمن يباشر العمل، إذا سوغته حاجة العمل.
والعلاجات الأخرى بحسب السبب: فقد يكون العلاج تصحيح مسار، أو إيصال معلومة، أو ضبط حدود الصلاحية والمساءلة، أو إزالة موافقة غير لازمة، أو تحديد جهة حسم الخلاف، أو اعتماد قاعدة للقرارات المتكررة.
الخطأ ليس في اقتراح التفويض، بل في اختياره علاجا قبل معرفة سبب الرفع.
ثالثا ما لا يصل إلى مكتبك… هل وصل إلى صاحبه؟
حتى الآن، نظرنا إلى المعاملات التي يراها الرئيس.
لكن هذه ليست الصورة الكاملة.
ففي الوقت الذي ينشغل فيه بما يصل إلى مكتبه، تتخذ قرارات أخرى داخل الشركة لا تمر به.
وكثير منها لا يحتاج إلى المرور به؛ لأن أصحابها يملكون اتخاذها.
وهذا هو التنظيم الصحيح.
لكن ماذا عن قرار كان يجب عرضه على صاحب الصلاحية ولم يعرض؟
مثال افتراضي للتوضيح
تنص مصفوفة صلاحيات شركة على أن إعفاء المتعاقد من غرامة تتجاوز حدا معينا يحتاج إلى اعتماد الرئيس التنفيذي.
تجري إدارة العمليات تسوية مع متعاقد، وتتضمن التسوية إعفاء يتجاوز ذلك الحد.
تسجل المعاملة في النظام باسم «تسوية»، وتستكمل داخل الإدارة دون عرض الإعفاء للاعتماد المطلوب.
لم تصل المعاملة إلى الرئيس.
المشكلة ليست في غياب الورقة عن مكتبه، بل في وقوع تصرف يحتاج اعتمادا لم يستوف.
فالإدارة تملك إجراء التسوية في حدود اختصاصها، لكنها لا تملك كل أثر يمكن أن تتضمنه التسوية.
من يملك التسوية لا يملك بها كل ما يكتب فيها.
وهنا يظهر الخلط نفسه الذي رأيناه في المعاملات الواردة، ولكن في الاتجاه المعاكس: هناك عنوان جعل معاملة تصل إلى الرئيس دون حاجة إلى قراره، وهنا عنوان أخفى تصرفا يحتاج إلى اعتماد فلم يصل إلى صاحبه.
اسم المعاملة قد يزيد محطات مرورها، وقد يحجب عنها محطة اعتماد لازمة.
تكبير الرسمأربع حالات تعليمية افتراضية.
يجري الزمن من اليمين إلى اليسار، والخط الرأسي لحظة التنفيذ.
وقد تقع صورة مشابهة عند مكتب الرئيس نفسه.
فالمكتب ينظم المعاملات ويعدها للعرض، وقد يملك صلاحيات محددة بسندها؛ لكن سلطة فرز المعاملة أو إعادتها لاستكمالها لا تمنح بذاتها سلطة حسم موضوعها باسم الرئيس.
ولهذا لا يكفي أن نعرف أين انتقلت الورقة.
يجب أن نعرف أين وقع التصرف المؤثر، ومن أحدثه، وهل كان يملك ذلك الأثر.
ازدحام المكتب يظهر ما وصل إليه، ولا يكشف وحده ما لم يعرض على صاحب اختصاصه.
وفراغ المكتب ليس دليل سلامة، كما أن ازدحامه ليس دليل خلل.
رابعا لا تبدأ بعد التوقيعات
إذا أردت معرفة موضع المشكلة، فلا يكفي إحصاء المعاملات التي تصل إلى الإدارة العليا ثم توزيع بعضها على المديرين.
ابدأ بعينة من المعاملات التي وصلت، وحدد أثر تدخل الرئيس في كل منها: هل اعتمد، أم وجه، أم نفذ قرارا سابقا، أم أثبت اطلاعا، أم مرت المعاملة بمكتبه دون وظيفة لازمة؟ ثم انظر في عينة مناسبة من القرارات التي حسمت في مستويات أخرى، وتحقق من أنها وقعت داخل الصلاحيات المقررة لها، واستوفت ما يلزم من عرض أو اعتماد.
ولكل قرار ثلاثة أسئلة تحكم موضعه:
| موضع الفحص | سؤاله | أثره في الفحص |
|---|---|---|
| صاحبه | من يملك اتخاذ القرار أو إحداث التصرف المؤثر؟ | يغير موضع فحص السلطة |
| مرحلته | متى يلزم أن يصدر الاعتماد، أو تقع الإحاطة، أو يستوفى الإجراء؟ | يغير فحص التوقيت |
| أثره | هل أحدث المتصرف أثرا يملك إحداثه، أم تجاوز الأثر حدود اختصاصه؟ | يغير فحص حدود الاختصاص |
ثم يأتي الدليل: ما الذي يثبت وقوع الفعل المطلوب، لا مجرد مرور المستند في مساره؟
فقد يكون صاحب القرار صحيحا، لكن الاعتماد وقع بعد الوقت الذي كان يجب أن يسبقه.
وقد تقع المعاملة في مرحلتها الصحيحة، لكن من أحدث أثرها لا يملك إحداثه.
وقد تمر الورقة بجميع محطاتها الظاهرة دون أن يثبت وقوع الاعتماد المطلوب.
ومن هنا تتحدد المعالجة.
قد ينتهي الفحص إلى إبقاء الصلاحيات كما هي، وتصحيح إجراء أو توفير معلومة.
وقد يكشف الحاجة إلى ضبط المسؤوليات والمساءلة أو تعديل مسارات الاعتماد.
وقد يثبت أن الخلل أوسع من معاملة واحدة، ويستدعي إعادة النظر في تنظيم قرارات مترابطة.
لا يختار نطاق العلاج قبل أن تتضح المشكلة.
قبل أن تفوض أكثر
لا تبدأ بإخراج المعاملات من مكتب الرئيس؛ ابدأ بمعرفة أين ينبغي أن يتخذ كل قرار، وما الذي يمنع اتخاذه هناك.
تكبير الرسمكثرة الرفع لا تثبت خللا، وغياب الرفع لا يثبت سلامة؛ الحكم بموضع القرار، لا بوصول الورقة.
فليست المنشأة محكومة جيدا لأن رئيسها يوقع على كل شيء، ولا لأنها خفضت توقيعاته إلى أقل عدد.
الحوكمة هنا أن يقع القرار عند صاحب اختصاصه، في مرحلته الصحيحة، وضمن الأثر الذي يملكه، وأن يمكن إثبات ما وقع.
وحين يستقيم ذلك، لا يصبح توسع الشركة مرهونا بقدرة شخص واحد على توقيع المزيد من الأوراق.