العقود وفرص الاختيار · التجديد التلقائي
تكبير الرسمتراقبون من يملك اعتماد العقود، ومن يوقعها، وكم تبلغ قيمتها.
لكن ماذا عن عقد وقعتموه قبل سنوات، وما زال يرتب التزامات كلما تجددت مدته؟
ثم يأتي السؤال متأخرا:
من وافق على التجديد؟
«لم يوقع أحد»… أم وقع قبل سنوات؟
مثال تعليمي افتراضي
أبرمت منشأة عقد خدمات بمقابل ٤٠٠ ألف ريال سنويا، مدته سنة، ويتجدد تلقائيا لمدة مماثلة ما لم توجه المنشأة إشعارا بعدم التجديد قبل انتهاء المدة بستين يوما، وبالطريقة المحددة في العقد.
اعتمد العقد صاحب الصلاحية آنذاك، وبدأ تنفيذه.
انتهت السنة الأولى، ولم يوقع عقد جديد.
ولم يوجه إشعار بعدم التجديد في المهلة المحددة، فترتب التجديد وفق الشرط الذي نفترض صحته ونفاذه في هذا المثال.
بعد ذلك، اطلع المدير المالي على الالتزام بالسنة التالية، فسأل: «من وافق على التجديد؟»
وجاءه الجواب: «لا يوجد اعتماد جديد.
العقد يتجدد تلقائيا».
هل يعني ذلك أن التزاما نشأ دون سند؟ لا.
التوقيع لم يغب… بل وقع عند الإبرام، ثم جاء موعد التجديد فعمل الشرط الذي سبق اعتماده.
التجديد التلقائي ليس قرارا جديدا صدر بالسكوت.
فمرور الموعد لا يمنح الزمن صلاحية اتخاذ القرار، وإنما يرتب أثرا تعاقديا اتفق عليه مسبقا، متى تحققت شروطه.
السكوت ليس قرارا جديدا… لكنه قد يكفي لتشغيل أثر قرار قديم
وهنا السؤال الذي ينبغي طرحه على من اعتمد العقد:
هل اعتمدتم استمرار العقد، أم اعتمدتم طريقة تجعله يستمر ما لم تتدخلوا؟
قد يكون الاستمرار عبر الدورات مقصودا من البداية، ولا يتطلب اعتمادا جديدا في كل مرة.
وقد يكون شرط التجديد صحيحا، لكن المنشأة تحتاج إلى مراجعة الاستمرار في مراحل معينة.
وهذه مسألة تختلف عن صحة اعتماد العقد الأصلي؛ فقد يكون العقد صحيحا والتجديد نافذا، ومع ذلك تتعثر مراجعة كان يجب إجراؤها قبل انقضاء مهلة عدم التجديد.
اعتماد العقد لا يثبت أن أحدا سيتابع موعد الاختيار التالي فيه
عقد واحد… وأربع قصص مختلفة
لنعد إلى عقد الخدمات.
النتيجة واحدة: تجدد العقد بمقابل ٤٠٠ ألف ريال للسنة التالية.
لكن هل تكفي هذه النتيجة لمعرفة ما حدث داخل المنشأة؟
قد تعرف المنشأة كيف يتجدد العقد… ولا تكون قد حددت متى يجب أن تعيد النظر في استمراره.
وغياب المراجعة الدورية لا يثبت وحده مخالفة.
فقد يكون الاستمرار دون اعتماد جديد ترتيبا مقصودا ومناسبا, وقد يكشف الفحص أن المنشأة لم تحسم أصلا كيف تتابع ملاءمة استمرار بعض عقودها.
وقبل تشخيص ما حدث، يجب التمييز بين أربع حالات:
الحالة الأولى استمرار مقصود منذ البداية
اعتمد صاحب الصلاحية العقد بشروطه، وكانت المنشأة قد قررت أن يستمر تلقائيا وفق ترتيب محدد، دون الحاجة إلى اعتماد جديد في كل دورة.
عمل الشرط كما أريد له.
وقد لا يوجد خلل أصلا.
الحالة الثانية استمرار اختير بعد مراجعة
اقترب الموعد، وجمعت المعلومات اللازمة، وعرض خيار التجديد أو عدمه على صاحب الاختصاص.
وبعد التقييم، اختار استمرار العقد, لم يوجه إشعار بعدم التجديد، فعمل الشرط المعتمد.
هنا توجد مراجعة وقرار، حتى لو لم يوجد توقيع جديد على العقد.
الحالة الثالثة قرار لم ينفذ
رأت المنشأة عدم الاستمرار، وأصدر صاحب الصلاحية قرارا بعدم التجديد.
لكن الإشعار لم يوجه في الموعد المطلوب، أو لم يستوف الطريقة التي اشترطها العقد.
فترتب التجديد رغم صدور القرار الداخلي.
هنا قد تكون المشكلة في تنفيذ القرار، لا في سلطة اتخاذه.
الحالة الرابعة مسألة لم تصل إلى صاحب القرار
كانت المنشأة قد قررت مراجعة الاستمرار قبل كل تجديد، وحددت من يملك حسمه.
لكن لم يعرض أحد المسألة عليه قبل انتهاء المهلة، فعمل شرط التجديد دون إجراء المراجعة المقررة.
هنا قد تكون المشكلة في مسار العرض، لا في غياب صاحب الصلاحية.
تكبير الرسمفالتجديد وحده لا يخبرك إن كانت المنشأة اختارت الاستمرار، أم فاتتها فرصة مراجعة الاختيار، أم اتخذت قرارا لم ينفذ.
ولا يعني تعثر مسار المراجعة الداخلي وحده أن التجديد غير نافذ تعاقديا؛ فالأثر التعاقدي والوفاء بالالتزامات التنظيمية الداخلية مسألتان مختلفتان.
التنبيه وصل… والسؤال لم يصل
لنأخذ الحالة الرابعة.
كانت لدى المنشأة قاعدة داخلية تقضي بمراجعة استمرار بعض العقود قبل موعد عدم التجديد، وكان عقد الخدمات من العقود المشمولة بها.
ولديها نظام إلكتروني لإدارة العقود، يسجل تاريخ الانتهاء ويرسل تنبيها قبل آخر مهلة للإشعار.
تكبير الرسمأرسل النظام التنبيه في موعده.
واستلمه مسؤول العقود.
لكن مسؤول العقود لا يملك قرار الاستمرار أو عدم التجديد.
ولم يكن مسار العمل يحدد من يحول التنبيه إلى ملف مراجعة، ومن يعرض المسألة على صاحب الاختصاص.
ظل التنبيه مسجلا في النظام، وانقضت المهلة.
النظام نبه، والمسؤول استلم، والموعد انقضى… فمن عرض المسألة على صاحب القرار؟
هنا لا يصح القول إن نظام التنبيه فشل؛ فقد أدى وظيفته.
ولا يجوز نسبة عدم اتخاذ القرار إلى مسؤول لا يملكه، لمجرد أنه استلم التنبيه.
وفي منشأتك، هذا أول ما ينبغي فحصه: هل يجب على مستلم التنبيه أن يحوله إلى جهة أخرى؟ وإلى من؟ ومن يتولى إعداد المراجعة وعرضها؟ وهل جرى تنفيذ ما تقرر؟
فهناك أربعة أعمال لا يجوز أن تختصرها عبارة «متابعة العقد»:
رصد الموعد: معرفة اقتراب النقطة التي قد يصبح بعدها خيار عدم التجديد غير متاح وفق شروط العقد.
تقييم الاستمرار: معرفة أداء العقد وتكلفته والحاجة إليه والبدائل الممكنة، بالقدر اللازم للمراجعة المطلوبة.
اتخاذ القرار: عرض الخيار ومعلوماته على صاحب الاختصاص ليقرر عندما تكون هناك حاجة إلى قرار جديد.
تنفيذ ما تقرر: استكمال الإشعار أو الإجراء المطلوب وفق شروط العقد، وإثبات حصوله.
قد يؤدي النظام العمل الأول بكفاءة.
وقد تتوافر معلومات التقييم لدى الإدارة المختصة.
وقد تحدد مصفوفة الصلاحيات صاحب القرار بدقة.
لكن سلامة هذه الأجزاء منفردة لا تعني أن المسألة انتقلت بينها حتى اكتمل العمل.
وفي مقال «كل شيء يعود لتوقيعك… فكيف ستتوسع الشركة؟» رأينا تصرفا وقع دون استيفاء اعتماد كان يلزمه أما هنا، فلم يعرض خيار عدم التجديد على صاحب الاختصاص؛ فانقضت المهلة، وعمل شرط سبق اعتماده عند إبرام العقد.
سلامة التنبيه لا تثبت سلامة العرض، وسلامة القرار لا تثبت صحة تنفيذ الإشعار
وهنا السؤال الذي ينبغي أن يتوقف عنده صاحب المنشأة:
ما فائدة أن تحدد من يملك القرار، إذا لم تحدد من يضع المسألة أمامه قبل فوات موعدها؟
ولا يكون العلاج دائما تعيين موظف جديد أو شراء نظام أحدث، فقد يكفي تحديد واجب العرض، وربطه بالتنبيه القائم، وتوضيح من يتابع الاستجابة ومن يتدخل عند تعثرها.
النظام يحفظ التاريخ… لكنه لا يصنع وحده مسار القرار
موعد الإشعار ليس موعد القرار
في مثالنا، اشترط العقد توجيه إشعار بعدم التجديد قبل انتهاء المدة بستين يوما.
وقد يظن المسؤول أن أمامه فرصة لاتخاذ القرار حتى آخر يوم يمكن فيه توجيه الإشعار.
تكبير الرسملكن قرار عدم التجديد قد يحتاج قبله إلى تقييم أداء المتعاقد، ودراسة البدائل، ومعرفة أثر الانتقال إلى مقدم خدمة آخر، واستكمال الاعتماد من صاحب الصلاحية.
وبعد صدور القرار، قد يحتاج الإشعار إلى إعداد ومراجعة وتوقيع وتوجيه بالطريقة المحددة في العقد، مع إثبات الإرسال أو الوصول بحسب ما يشترطه.
فالمنشأة تحتاج إلى التمييز بين وقتين:
الوقت التعاقدي: آخر مهلة معتبرة لاستعمال خيار عدم التجديد، وفق شروط العقد.
ووقت القرار الداخلي: الموعد الذي ينبغي أن ينتهي عنده التقييم والاعتماد حتى يبقى وقت كاف لتنفيذ ما تقرر.
ولا توجد مدة واحدة بين الموعدين تصلح لجميع العقود؛ فالوقت اللازم يتوقف على طبيعة القرار ومتطلبات تنفيذه.
قد تصدر قرار عدم التجديد في وقته الإداري… بعد أن يكون الوقت التعاقدي لتنفيذه قد فات.
ولهذا لا يكفي إثبات أن القرار صدر قبل انتهاء العقد؛ بل يجب أن يكون قد صدر في وقت يسمح باستعمال الخيار وفق شروطه.
وهناك سؤال آخر لا يهمل: من يملك الاختيار اليوم؟ فصاحب الاعتماد الأول قد يكون غادر المنشأة أو تغيرت صلاحياته.
ولا يبطل ذلك العقد تلقائيا، لكن يجب تحديد من يملك اليوم استعمال خيار عدم التجديد عند الحاجة.
أما نطاق الاعتماد الأصلي، فهو سؤال مختلف.
لنفترض أن صاحب الصلاحية الذي اعتمد عقدنا، البالغ ٤٠٠ ألف ريال سنويا، كان حد اعتماده المالي ٥٠٠ ألف ريال.
هل كان الحد يقاس بالقيمة السنوية؟ أم بقيمة الالتزام خلال المدة المعتمدة؟ وكيف يدخل شرط التجديد في نطاق ما أجيز ابتداء؟
راجعتم مبلغ السنة الأولى… فهل راجعتم شروط استمرار الالتزام بعدها؟
ليس في المثال ما يثبت تجاوز الحد.
فذلك يحتاج إلى فحص سند الصلاحية ووحدة القياس ونطاق الاعتماد، وهي مسألة مستقلة عن متابعة خيار عدم التجديد.
وحتى إذا ثبتت سلامة الاعتماد الأصلي، فلا تعني وحدها أن مسؤولية متابعة فرصة الاختيار قد نظمت.
من يحفظ نافذة الاختيار؟
لا تسأل كم تنبيها يرسل نظامك… اسأل: كم خيارا يحتاج إلى قرار وصل إلى صاحبه قبل فوات وقته؟
إذا أردت اختبار ذلك في منشأتك، فلا تبدأ باقتراح اعتماد جديد على كل تجديد، ولا بمطالبة الموظفين بزيادة التنبيهات.
ابدأ بعينة من العقود القائمة التي تتضمن تجديدا تلقائيا، أو خيارا تعاقديا يتوقف استعماله على إجراء في موعد محدد، ثم افحص كل عقد بأسئلة واضحة:
ماذا اعتمد أصلا؟ هل شمل الاعتماد شرط التجديد وآثاره ضمن الصلاحية المقررة؟
هل توجد مراجعة مطلوبة؟ هل تقرر استمرار العقد دون اعتماد جديد لكل دورة، أم يلزم تقييم استمراره في مراحل معينة؟ وإن لم يحسم هذا الأمر، فهل طبيعة الالتزام ومخاطره تستدعي تنظيمه؟
من يحفظ نافذة الاختيار؟ من يرصد موعد الإشعار، ومن يعد التقييم، ومن يتحمل عرض المسألة على صاحب الاختصاص؟
من يملك القرار الآن؟ وهل يصل إليه الملف قبل الموعد الذي يسمح باتخاذ قرار قابل للتنفيذ؟
ومن ينفذ؟ هل يعرف المسؤول عن الإشعار شروطه ووسيلته وعنوانه، وما إذا كان المعتبر إرساله أو وصوله، وما الدليل المطلوب لحفظ إثباته؟
وقد ينتهي الفحص إلى أن مسار العمل سليم، وأن الاستمرار مقصود ومغطى باعتماد صحيح.
وقد يكشف أن التنبيه موجود لكن مسؤولية العرض غير محددة، أو أن القرار يصدر بعد الوقت الملائم لتنفيذه، أو أن المنشأة لم تحسم أصلا متى تحتاج إلى مراجعة استمرار التزام معين.
وفي كل حالة يختلف العلاج: قد تحتاج المنشأة إلى ضبط مسار عرض العقود، أو تحديد موعد داخلي للحسم، أو تفعيل تنبيه قائم، أو تنظيم بديل عند غياب المسؤول، أو معالجة نطاق اعتماد سابق.
ليس المطلوب إنشاء إجراء جديد لكل عقد؛ بل التأكد من أن فرصة الاختيار لا تضيع بين من يرصدها ومن يملك استعمالها
وقد توجد المشكلة نفسها في خيارات تعاقدية أخرى، أو مطالبات أو ضمانات يتوقف استعمالها على إجراء في موعد.
لكن لا يفترض سقوط حق أو نشوء استحقاق دون فحص شروطه وسنده.
أما عقدنا التعليمي، فقد يكون تجديده استمرارا مقصودا وصحيحا، وقد يكون أثر فرصة مراجعة لم تستعمل.
ولمعرفة الفرق، لا يكفي السؤال عمن وقع.
بل يجب أن نعرف ماذا أجيز عند التوقيع، وهل كانت هناك مراجعة لاحقة مطلوبة، ومن كان مسؤولا عن عرض خيارها وتنفيذ ما يتخذ بشأنها.
أحكمتم الرقابة على التوقيع… فلا تتركوا فرصة ألا يستمر العقد بلا من يحفظها.
التوقيع الأول قد يكفي لاستمرار العقد… لكنه لا يثبت أن أحدا تولى متابعة فرصة عدم تجديده