01

من رسم المقاعد؟

من رسم المقاعد

كل الفاعلين الذين مروا بنا يجلسون على الخط، كل في موضعه. لكن من الذي رسم المواضع؟ من قرر أن يكون هنا صاحب شرط يملك «لا»، وهناك معتمد يمحص، وأن حد هذا ينتهي حيث يبدأ حد ذاك؟ هذا فاعل لا يجلس على الخط، لأنه هو الذي رسمه. فعل فعلته مرة واحدة — حين صمم توزيع القدرات وحدودها — ثم سرت في كل قرار يمر بعده. إنه المصمم. والمصمم لا يظهر في القرارات المفردة، فلا يقال «قرر المصمم»؛ لكن أثره في كل قرار، لأن كل فاعل يعمل داخل الحدود التي رسمها. ولذلك يصعب أن يكشف من قرار واحد؛ إنما يكشف من نمط يتكرر. فإذا تكرر العطب عند التخم نفسه، بالكيفية نفسها، رغم تبدل الأشخاص وسلامة الحوافز والموارد والممارسة التشغيلية، دل ذلك بقوة على أن موضع الخلل في طبقة الرسم لا في الأشخاص الذين يعملون داخلها. وهي قرينة توجه النظر إلى تلك الطبقة، لا حكم نهائي يغني عن فحصها.

المصمم لا يظهر في القرار المفرد؛ لكن أثره في كل قرار، لأن كل فاعل يعمل داخل الحدود التي رسمها.

02

ما يُدار، وما يُرسم

فالبنية طبقتان: طبقة تدار — الحوافز والموارد والتشغيل — وطبقة ترسم: مواضع القدرات وحدودها. والفرز بينهما هو ما يميز بصمة المصمم: إذ لا يشتبه في الرسم قبل استبعاد خلل الإدارة والتشغيل. فإن استبعدت هذه، وبقي العطب يتكرر عند الموضع نفسه، فذلك موضع التصميم. وهنا يظهر تمييز ثلاثي: المصمم ينقش القدرة في الوثيقة والبنية، والمبرمج ينقشها في النظام، والمشغل يحييها في الممارسة. وقد رأينا الفاعل المبرمج في الحلقة السابقة يجاور المصمم؛ فالمبرمج يترجم إلى شفرة ما قرره صاحب السياسة ورسمه المصمم، وكل من هؤلاء يرسم حدا في طبقته يمارس بعده بلا حضوره.

طبقة تدار الحوافز والموارد والممارسة التشغيلية.

↔ طبقة ترسم مواضع القدرات وحدودها وتخومها.

المصمم ينقش القدرة في الوثيقة والبنية. ←

المبرمج ينقشها في النظام. ←

المشغل يحييها في الممارسة.

03

من يقع عليه القرار ولا يدخل الموكب

من لا مقعد له

وفي الطرف الآخر من الخط يقف من يقع عليه القرار: من تمسه نتيجته ولم يشارك في صنعه. وهو لا يمارس قدرة في القرار، فلا يدخل الموكب — لم يفتح، ولم يرجح، ولم يحسم. لكنه، مع ذلك، حاضر في تقويم القرار حضورا لا يقل عن أثر الفاعلين: فمن أهم ما تقاس به مشروعية القرار أثره على من يقع عليه. فمن لا مقعد له معيار لا غنى عنه لقياس مشروعية القرار — وإن لم يكن الميزان الوحيد الذي تهمل معه بقية الموازين من مقاصد النظام والمصلحة العامة وما يتزاحم معها. فالحدود التي تتبعناها كلها — حد المعد، وحد الموصي، وحد المعتمد — إنما تستمد كثيرا من معناها من هذا الطرف: لماذا يجب أن يهيئ المعد صورة صادقة؟ لأن قرارا سيقع على أحد. ولماذا يجب أن يمحص المعتمد؟ لأن نفاذه سيمس من لا مقعد له. فمن لا مقعد له عند الطاولة مرجع لا تكتمل الحدود بإغفاله؛ به يقاس كثير منها، وإليه ينتهي أثرها.

● لا يمارس قدرة في الصنع لم يفتح، ولم يرجح، ولم يحسم.

◎ لكنه معيار في التقويم يقاس كثير من مشروعية القرار بأثره على من يقع عليه.

04

آخر الخطّ يعود إلى أوّله

قوس الأثر الراجع

فهل ينتهي القرار عند وقوعه على هذا الطرف؟ لو كان الخط مستقيما لانتهى هناك. لكنه ليس مستقيما؛ إنه قوس يعود آخره إلى أوله. فأثر القرار على من وقع عليه لا يختفي؛ يعود إلى منبع الخط من بابه الخلفي: شكوى المتأثر تفتح مسألة جديدة عند صاحب المسألة، وأثر القرار في الواقع يعود معلومة إلى المعد، وتظلمه يوقظ صاحب شرط لم ينتبه. فمن لا مقعد له عند الطاولة قد يكون له مقعد عند منبع الخط — إن وجد من يحمل أثره إليه. لكن رجوع الأثر لا يصلح بذاته. فقد يعود الأثر فيقرأ قراءة ترسخ العطب — كأن ينتقى منه ما يشهد بصواب ما هو خطأ، فيصير عودته تثبيتا لا تصحيحا. وإنما يثمر القوس حين يبلغ يدا تقرؤه بأمانة وتملك أن تعيد الرسم.

شكوى المتأثر تفتح مسألة جديدة عند صاحب المسألة.

قوس الأثر الراجع

آخر الخط يعود إلى أوله

أثر القرار يعود معلومة إلى المعد.

التظلم يوقظ صاحب شرط لم ينتبه.

قراءة الأثر إما تصحيح، وإما تثبيت للعطب.

العودة لا تصلح بذاتها؛ إنما تثمر حين تبلغ يدا تقرؤها بأمانة وتملك إعادة الرسم.

05

اليد التي تملك إعادة الرسم

اليد التي تملك إعادة الرسم

وهنا يكتمل القوس أو ينكسر. فالأثر الذي يرجع ولا يجد يدا تغير الرسم يدور معلومة داخل العطب نفسه، يتكرر بتكرار القرار؛ والأثر الذي يبلغ يدا تقرؤه بأمانة وتملك إعادة التصميم يفتح خطا أصلح للقرار التالي. فلا تكفي عودة الأثر؛ لا بد أن تبلغ من يملك أن يعيد رسم المواضع والحدود على ضوئه. وهذه اليد قد تكون واحدة، وقد تكون سلطة موزعة على جهات ومستويات تتطلب مسارا لإعادة النظر في التصميم؛ والمهم وجود قناة تبلغها وتقدر على التغيير. وتصميم هذه القناة — كيف يلتقط الأثر، وبأي مؤشر يقاس، ومن يتلقاه فيفتح به إعادة نظر — باب مستقل ليس من هذه السلسلة؛ موضعه «الرقابة العائدة». تقف هذه الخاتمة عند فتح الباب على القوس، ولا تعبره.

لا تكفي عودة الأثر؛ لا بد أن تبلغ من يملك إعادة رسم المواضع والحدود على ضوئه.

06

لمن كُتبت هذه السلسلة؟

الالتفات الأخير

بهذا تكتمل خريطة الفاعلين: لا بمن حضروا الصنع فحسب، بل بمن رسم الخط قبلهم، ومن يقع عليه الأثر بعدهم، ومن يحمل الأثر عائدا إلى مبتدئه. طرفا الخط — من رسم المقاعد قبل أول محطة، ومن لا مقعد له بعد آخرها — والقوس يصل بينهما. ويبقى سؤال أخير: لمن كتبت هذه السلسلة؟ تتبعنا أحد عشر فاعلا، ولم نفرد حلقة للمصمم — لأنه كان حاضرا في كل حلقة دون أن يسمى. فكل حد رسمناه هو حد يرسمه مصمم الحوكمة؛ وكل تخم ضبطناه هو تخم يقف عنده. فالسلسلة، في حقيقتها، مكتوبة لمن يرسم المقاعد: تلتفت إليه في ختامها لا لتحمله كل خلل يقع، بل لتضع أمامه مسؤولية الطبقة التي يملكها — رسم المواضع والحدود قبل أن يعمل الفاعلون. وهذا هو المعنى الذي قام عليه أن تصميم الحوكمة ليس تطبيقها: فالحوكمة لا تصلح بضبط من يجلسون على الخط فحسب، بل برسم الخط رسما يقف كل فاعل فيه عند حده.

كل حد رسمناه هو حد يرسمه مصمم الحوكمة؛ وكل تخم ضبطناه هو تخم يقف عنده.

07

القرار يُصنع بصيغة الجمع وإن رُوي بالإفراد

فمن رأى الفاعلين بحدودهم عرف أن القرار يصنع بصيغة الجمع وإن روي بالإفراد. ومن أراد أن يبقى هذا الجمع قابلا للفرز — لا تتنكر فيه قدرة في هيئة قدرة، ولا تقطع تبعة عن يد عملت — فذلك عمل من يرسم المقاعد قبل أن يجلس فيها أحد. وهنا يبدأ سؤال آخر: ماذا يحدث حين تختلط هذه الحدود، فيتبادل الفاعلون مواضعهم خلسة؟ ذلك مسير الخط في مشيته الثالثة.

هنا يبدأ سؤال المشية الثالثة: ماذا يحدث حين تختلط الحدود، فيتبادل الفاعلون مواضعهم خلسة؟