اللفظ متقارب… والأثر مختلف.

«لا يجوز.»
«لا نوصي بذلك.»

قد تصدر الجملتان من الجهة نفسها، وتصلان إلى صاحب القرار بالثقل نفسه.
لكن الأولى قد تغلق الباب، والثانية لا تفعل.

في الأولى قد يكون أمامك حد لا تملكه أصلًا.
وفي الثانية ترجيح مهني داخل مساحة ما زالت مفتوحة للاختيار.

وحين لا يُسمّى الفرق، ينتقل ثقل الاختيار من غير أن ينتقل الاختصاص.

من أوقف الشراكة؟

عُرضت شراكة، ثم تُركت.
وبعد سنة سُئل: من أوقفها؟ قال صاحب الصلاحية: «القانونية رأت أنها لا تجوز».
وقالت القانونية: «نحن أبدينا رأيًا، والقرار ليس لنا».

وكلاهما صادق في وصف دوره.
لم تتجاوز القانونية اختصاصها، وصاحب الصلاحية هو من يملك القرار.
لكن لغة الرأي لم تُفرّق بوضوح بين ما لا يجوز وما لا يُستحسن؛ فحمل الترجيح ثقل الحد.

ترجيحٌ في ثوب حدّ

في الرأي حدّ، وترجيح

الحدّ

قيد ملزم مصدره نظام أو لائحة أو قرار أو التزام واجب.
ويثبت إلزامه بالمصدر الذي أنشأ أثره، لا بقوة الصياغة.

الترجيح

ما تراه الجهة أنفع داخل ما يجوز.
هو رأي يُوزن مع غيره، ولصاحب الصلاحية أن يخالفه ويتحمل اختياره.

لا يحدد اللفظُ قوةَ الرأي؛ يحددها مصدر أثره.

قد تتقارب عبارات الرأي المهني في وقعها: «لا يجوز»، «يشترط»، «لا نوصي بذلك».
لكن التشابه في اللغة لا يعني التشابه في الأثر.
فواحد منها قد يقيد، وآخر يرجّح، وثالث يطلب استيفاء شرط قبل المضي.

كيف ينتقل ثقل الاختيار من غير أن ينتقل الاختصاص؟

تُرفع إلى جهة مساندة مسألة فيها خياران، كلاهما جائز.
فيُسأل سؤال يبدو بريئًا: «أيهما ترون؟».
فتجيب الجهة لأنها سُئلت، ثم يُبنى القرار على جوابها.

لم تنتقل إليها سلطة القرار، لكنها حملت ثقل الاختيار.
وإذا لم يُفرّق النص بين «هذا لا يجوز» و«هذا ما نفضله»، خرج القرار باسم صاحبه وعلى كاهل رأي لم يُعطَ أصلًا سلطة الحسم.

سؤال واحد قبل أن تبني على رأي

أهذا حدّ لا أملك تجاوزه، أم ترجيح أملك أن أخالفه وأتحمل؟

إن كان الجواب: حدّ، فالسؤال الذي يليه: ما مصدر إلزامه؟ ويُكتب الجواب في الرأي نفسه: هذا حد ومصدره كذا؛ وهذا ترجيح، وهذه أسبابه.

ثم يُسجّل القرار باسم صاحبه ولو وافق الرأي حرفًا بحرف.
فمن بنى على رأي فقد قرر أن يبني عليه، وهذا قراره هو.

وليس المقصود تجاوز الرأي المهني

من خالف حدًا فقد خالف، ويُسأل عن مخالفته.
ومن خالف ترجيحًا مسببًا من أهل الاختصاص، فليكن لديه سبب يستطيع الدفاع عنه؛ فكون الرأي غير ملزم لا يجعله بلا وزن.

المقصود ألا يُلبس الترجيح ثوب الحد، فيمضي القرار وليس وراءه من اختاره.

الرأي يقول: هذا ما نراه.
والقرار يقول: هذا ما سنفعله.

والرأي، مهما بلغت جودته، لا يوقّع عن أحد.

ختام سلسلة «صحيح على الورق»

رقم · محطة · عبارة · نتيجة منسوبة · لجنة · مستهدف · رأي

في كل حلقة كان أمامنا شيء يمكن الدفاع عن صحته منفردًا: رقمٌ في لوحة، ملفٌ مرّ بمحطاته، عبارةٌ سليمة، نتيجةٌ منسوبة، لجنةٌ مكتملة، مستهدفٌ محقق، ورأيٌ مهني صادر من أهله.

والعطب لم يبدأ دائمًا من مخالفة؛ بل من أن شيئًا صحيحًا في أصله حُمّل معنى أو وظيفة أو أثرًا لا يملكه، أو وُضع في موضع لا يحقق الغرض الذي استُعمل من أجله.

الصحة بداية، لا نهاية.
والسؤال دائمًا: ماذا يفعل هذا الشيء فعلًا، ولأي غرض، ومن يملك أثره؟

انتهت السلسلة، وبقي السؤال.