يُفحص الحكم في المنشأة فحصًا دقيقًا: أصحيح هو؟ أمعتمد ممن يملك اعتماده؟ أنافذ اليوم أم نُسخ بغيره؟ ثم يقع قرار بُني على نص لم يعد نافذًا منذ أشهر.

ولم يكن العطب في الحكم

خذ واقعة. منشأة راجعت سياستها في الارتباطات المالية، فخفضت حد الاعتماد الفردي، وأضافت شرطًا جديدًا لما يتجاوزه. صدرت النسخة المعتمدة، ونُشرت في المستودع الرسمي، وأزيلت القديمة منه، وحُدّث النظام على مقتضاها، وأُعلن التحديث في تعميم عام.

ثم جاءت مذكرة الارتباط. أعدها صاحبها من نسخة محفوظة في مجلد إدارته منذ ستة أشهر؛ نسخة صحيحة يوم حُفظت. فبُنيت المذكرة على الحد القديم، فوقعت الواقعة تحته، ولم يُذكر الشرط الجديد؛ لأنه في النسخة التي بين يديه غير موجود. وعُرضت، واعتمدت بتوقيع واحد؛ ولو دخلها الحكم النافذ لما اعتمدت في هذا الموضع، ولا قبل استيفاء شرطها.

فالبناء كله سليم، والواقعة وحدها دخلها حكم غير الذي يحكمها. وهذا موضع لا يبلغه الفحص المعتاد. فحين يُسأل: أالسياسة محدثة؟ يكون الجواب نعم. وأمنشورة في موضعها؟ نعم. وأمبلّغ بها؟ نعم. ولا يسأل أحد السؤال الذي وقع عنده العطب: من أين قرأها من أعد هذه المذكرة؟

الطريق بين النص والواقعة

بين النص النافذ وبين الواقعة طريق لا يُنظر إليه غالبًا. النص لا ينتقل إلى الواقعة بنفسه؛ ينتقل بما هُيئ لحمله. قد يكون ذلك مستودعًا رسميًا يُفتح عند كل حاجة، وقد يكون ملفًا حُفظ على جهاز في يوم ما، أو مرفقًا في بريد قديم، أو شريحة من عرض تدريبي لُخص فيها الحكم تلخيصًا.

وأخفاها وأكثرها وقوعًا أن تُبنى المذكرة على مذكرة سابقة. يُفتح ملف واقعة ماضية أُقرت، وتُبدل فيه الأرقام والأسماء، ويبقى ما سواه. وفي ذلك الملف نص كان صحيحًا يومه. فترث الواقعة الجديدة حكم الواقعة القديمة، ويسري النص المنسوخ في قرارات لم يشهد زمنها.

ولا يظهر شيء من هذا لمن ينظر. فالنسخة المتجاوزة لا تحمل في ذاتها ما يقول إنها متجاوزة؛ تبدو وثيقة مكتملة موقعة مرتبة، ولا فرق في المظهر بين نسخة نافذة ونسخة ماتت. ولذلك لا يُكتشف الخلل وقته؛ وإنما بعد أن يُطلب من القرار ما لم يُبن عليه. وليس الفارق بين النسختين فارقًا في تاريخ ملفين؛ فقد يتغير بالنسخة من يملك الحسم، أو الشرط الذي يقف عنده، أو حد التفويض، أو ما يجب أن يُرفق قبله.

اقلب سؤال المراجعة

ليس المطلوب أن نُثبت أن النص النافذ موجود في موضعه؛ بل أن نُثبت أنه هو الذي بلغ الواقعة. ويُعرف ذلك بأن يُؤخذ قرار وقع فعلًا، ويُسأل عنه: على أي نسخة بُني؟ ومن أين أُخذت؟ وهل بقي في ملفه ما يدل عليها؟ فإن لم يكن في الملف ما يجيب، بقي هذا الطريق مفتوحًا لأن يتكرر.

ولا يلزم أن تكون العلة في قصد الناس أو تعمدهم. فمن حفظ النسخة حفظ نسخة صحيحة يومها، ومن نسخ المذكرة السابقة فعل ما يجري في العمل كل يوم. والعلة التي تخصنا هنا أن تحديث الحكم عُد عملًا انتهى بصدور النسخة، ولم يُعد عملًا يبلغ الوقائع. وبين الأمرين فرق يظهر في القرارات لا في الوثائق.

لا يكفي أن يكون الحكم النافذ موجودًا؛ بل أن تكون نسخته الصحيحة هي التي دخلت الواقعة.