قبل أن يكتب صاحب الشأن حرفًا في طلبه، يكون شيء قد قرر ما الذي يستطيع أن يقوله.
المعلومة التي لم تجد طريقًا
في منشأة تنص سياستها على أن يُعرض التعاقد ومعه بيان البدائل التي نُظر فيها. وقد اجتمعت الإدارة ووازنت أن تنفذ الخدمة بمواردها، أو توسع عقدًا قائمًا، أو تتعاقد مع مورد جديد. وانتهت إلى ترجيح له سببه، وسجلت ذلك في محضرها.
ثم فُتح نموذج الرفع في النظام. يسأل عن الجهة المستفيدة، والخدمة، ونطاق العمل، والمبلغ، والمدة، ومركز التكلفة. ثم ينتهي. ولا موضع فيه للبدائل. ومذكرة القرار التي تبلغ موضع الحسم يولدها النظام من هذه الحقول؛ فلا يظهر فيها إلا ما دخلها، ولا يتيح مسار الرفع موضعًا آخر تظهر فيه المقارنة ضمن المخرج الذي يبلغ الحسم.
فرفع الطلب مكتملًا. لم يُترك حقل فارغ، ولم يمتنع المُعد عن جواب، ولم يُخف شيئًا. ووصل الطلب إلى الحسم بلا مقارنة، والمقارنة قد جرت وبقيت عند الإدارة التي أجرتها. لم تُحذف المقارنة من الملف؛ لم تجد إليه طريقًا.
وهذه صورة يصعب أن تُرى؛ لأن الغائب لا يترك فراغًا يُنظر إليه. الملف مكتمل، والحقول مملوءة، والطلب مطابق للنموذج تمام المطابقة. وما لا موضع له لا يظهر ناقصًا؛ يظهر كأنه لم يكن.
سعة الموضع
النص واضح، ومن أعد الطلب عمل ما يجب، والمعلومة كانت موجودة مكتوبة. وموضع الخلل بينها جميعًا: في الطريق الذي حملها.
وليس الأمر في وجود الموضع وحده، بل في سعته أيضًا. فقد يوجد حقل اسمه «المبرر»، ولا يتسع إلا لسطر واحد. فيُكتب فيه ما يُكتب في سطر، وتبقى العلة الحقيقية خارجه لأنها لا تُقال في سطر. والموضع الضيق يُنتج جوابًا صحيحًا في صورته، ناقصًا في مقداره؛ وهو أخفى من الغياب، لأن الغياب قد يُلحظ يومًا، والضيق يبدو دائمًا اكتمالًا.
ثم إن الأثر لا يقف عند هذه الواقعة. فالنموذج لا ينقل ما جُمع فحسب؛ قد يوجه ما سيُبحث ويُجمع قبل الرفع. إذ يقرأ العامل في أسئلته ما يُنتظر منه، فيقيس ما يُسأل عن مقداره، ويستوثق مما يُطلب بيانه. ومع التكرار، قد يتحول ما لا يُسأل عنه إلى ما لا يُبحث.
اختبار النموذج
قد ينمو النموذج بالحوادث حين لا يُراجع على الحكم: يُضاف حقل بعد واقعة أوجعت، وشرط بعد ملحوظة وردت، حتى يصير سجلًا لما ظهر، لا خريطة لما ينبغي أن يبلغ.
فالسؤال في فحص النموذج ليس: أحقوله مكتملة؟ فهذا سؤال عن الشكل يجيب عنه النموذج عن نفسه. السؤال الذي يكشف: ما الذي يعجز هذا القرار عن أن يقوله من خلال هذا النموذج؟
ويُعرف جوابه بغير تقدير من أحد. يوضع الحكم الحاكم في جهة والنموذج في جهة؛ ثم يُنظر: كل ما أوجبه الحكم أن يُعرض، أله في النموذج موضع يسعه ويبلغ به المخرج النهائي؟ فإن لم يكن، فالمنشأة توجب في نصها ما لا تطلبه في نماذجها، فيصل إلى الحسم قرار ناقص، وهو في ظاهره مستوف لكل ما طلبه النموذج.
قد تُحجب المعلومة قبل أن يحجبها أحد؛ يكفي ألا يُهيأ لها موضع.