قيل في سياسة قائمة إن طلبات بعينها تُحال إلى مراجعة المخاطر إذا كانت ذات أثر جوهري. ولم يعرّف النص الجوهرية برقم واحد؛ تركها لتقدير الواقعة.

تذكرة دعم صنعت حكمًا

حين بُني النظام التقني، احتاج إلى علامة يستطيع أن يعمل بها. فوُضع مبلغ معلوم علامة موجبة للإحالة: ما جاوزه يُحال آليًا، وما دونه يبقى للنظر بحسب الحال. وكان ذلك يومئذ ترتيبًا لتشغيل الحكم، لا حكمًا جديدًا.

ثم كثرت شكاوى بطء المسار. وبعد زمن وصلت إلى الدعم الفني تذكرة قصيرة: «تفعيل تخطٍّ تلقائي لمراجعة المخاطر للطلبات دون الحد، تخفيفًا للعبء». عوملت التذكرة كتعديل تشغيلي، ونُفذت في مسار الصيانة المعتاد.

ومنذ ذلك اليوم مرت مئات الطلبات دون الحد من غير مراجعة. ولم يُخالف في ذلك نص. إنما حول التعديل حدًا كان يوجب المراجعة فيما فوقه إلى حد يستبعدها عما دونه؛ فجعل من علامة في المسار حكمًا لم يقله النص.

وهنا تبلغ السلسلة موضعها الأخير. فقد رأينا الوسيط يشكل ما يصل، ويضبط ما يمر، ويثبت ما يبقى. فإذا كان كذلك، فتهيئة الوسيط قد تكون قرارًا ذا أثر متكرر. فمن غير حقلًا لم يقرر في واقعة واحدة؛ قرر في نمط ستجري عليه وقائع لم تقع بعد.

لماذا يخفى قرار الوسيط؟

هذا النوع من القرار يمر غالبًا من ثلاثة أبواب تجعله أخفى. أولها اللغة: يُسمى تحديثًا، أو تحسينًا، أو تذكرة دعم؛ فلا يدخل في الذهن بوصفه قرارًا. وثانيها الحجم: حقل صغير، أو خيار افتراضي، أو مهلة تغيرت؛ فيبدو التعديل أصغر من أن يُرفع. وثالثها الموضع: يقع في التشغيل أو الصيانة، بعيدًا عن المجالس واللجان التي تراقب ما يحمل اسم القرار.

لكن صغر التغيير في الوسيط لا يدل على صغر أثره في القرار. فالتعديل يقع مرة واحدة، وأثره يتفرق على مئات الوقائع. وقد يُفحص كل قرار على حدة فلا يظهر فيه مصدر الأثر المشترك. فمن يعدل لا يرى أثره، ومن يقع عليه الأثر لا يعرف سببه.

ولا يعني ذلك أن كل تعديل في وسيط يحتاج مجلسًا أو لجنة. فالمطلوب ليس نقل الصيانة إلى قاعة الحسم؛ بل تمييز مواضع الأثر: ما الذي يغير ما يظهر للحاسم، أو ما يمر إليه، أو ما يثبت بعده؟ وما الذي لا يتجاوز خدمة تقنية؟ ومن لم يفرز مواضع الأثر في وسيطه، أمكن أن تمر تغييرات حاكمة عنده في صورة صيانة.

عهدة الوسيط

تُفحص عهدة الوسيط بخمسة أسئلة: من هيأه ابتداء؟ من يملك تعديله؟ على أي أساس؟ كيف يُعرف أثر التعديل قبل تعميمه؟ ومتى يكون الوسيط نفسه محل مراجعة حوكمية؟

ولا يُفحص هذا الباب في الوسيط كما هو اليوم فقط؛ يُفحص في تاريخه. تُؤخذ ثلاثة تغييرات جرت خلال عام: من طلبها؟ ومن أذن بها؟ وأين سُجلت؟ وما الأثر الذي كان متوقعًا منها؟ ثم يُقارن الوسيط بما كان عليه قبل عامين، ويُسأل: من قرر الفروق التي نراها اليوم، وماذا صنعت بما يصل إلى القرار؟

فما يفعله الوسيط بالقرار لم يولد معه؛ صنعه أحد في يوم ما، وربما لم يعلم أنه يقرر.

تعديل الوسيط قد يكون قرارًا سابقًا في قرارات لم تقع بعد.