صدرت عن إحدى الإدارات وثيقةٌ تنظّم إجراءاتِ نوعٍ من الحالات، فأسندت اعتمادَها إلى مديرٍ بعينه. وكانت محكمةَ العبارة، معتمَدةً بتوقيعٍ ظاهرٍ على صدرها، معمَّمةً على من يعنيه أمرُها. فجرى العملُ بها، وأُعيد ترتيبُ المسار على أساسها، وصارت تلك الحالاتُ تُحسم عنده ولا تُرفع. ومضت سنون لا يسأل فيها أحدٌ من أين له هذا الاعتماد؛ فالنصُّ قائم، والمسارُ منتظم، والقراراتُ تمضي على وفقه.

ثمّ رُدّت الوثيقةُ إلى ما هو أعلى منها. ولم تكن العلّةُ أنّ المديرَ تجاوز ما أُسند إليه، ولا أنّ الوثيقةَ غامضةُ العبارة؛ بل أنّ الإدارةَ التي أصدرتها لم تكن تملك إنشاءَ هذا الاختصاص. كانت تملك أن تنظّم ممارسةَ حكمٍ قائمٍ وترتّب إجراءاته، ولا تملك أن تُنشئ في القرار سلطةً جديدة. فتبيّن أنّ ما جرى عليه العملُ سنين لم يكن له سندٌ يحمله.

عندها لم يعد السؤال: أطُبِّق النصُّ على وجهه؟ بل السؤالُ السابقُ عليه:

من أصدر هذا النص؟ وبأيّ حقٍّ يملك أن يقول ما قال؟

فسلطانُ النص يبدأ من مصدره: من الجهة التي أصدرته، ومن الاختصاص الذي تملكه، ومن الأداة التي أُجيز لها أن تتكلّم بها، ومن الحدّ الذي تقف عنده سلطتُها. وقد تملك الجهةُ وضعَ القاعدة، وقد لا تملك إلّا بيانَ طريق تنفيذها؛ وقد تملك تنظيمَ التفاصيل داخل اختصاصٍ قائم، ولا تملك أن تضيف إليه سلطةً لم تُمنح، ولا أن تحجب قرارًا عن صاحبه، ولا أن تنقل الحسمَ من موضعٍ إلى آخر. والفرقُ بين هذه الحالات لا يظهر في الألفاظ؛ فقد تُكتب كلُّها باللغة نفسها، وتحمل التوقيعَ نفسه، وتصدر في القالب ذاته — وإنّما تفترق في الموضع الذي تكلّمت منه.

ثمّ لا يكفي أن يُعرف للنص مصدرٌ حتى يُقرأ في مرتبته. والمرتبةُ ليست الاسمَ المكتوبَ على غلاف الوثيقة؛ فليست المسألةُ أنّ هذه «لائحة» وتلك «سياسة» وثالثةً «تعليمات» فحسب. المرتبةُ علاقة: موضعُ النص ممّا يستمدّ منه حكمَه، وممّا يعلوه، وممّا يندرج تحته، ومن القدر الذي أُذن له أن يحكم فيه. فالنصُّ الأدنى يفصّل الحكمَ العامّ وينظّم طريقَ تطبيقه، ولا يرتفع فوق ما يستمدّ منه سلطانَه، ولا يُنشئ في أثناء التنظيم ما لم يُؤذن له بإنشائه. وقد يطول العملُ بالنص حتى يغيب هذا الأصل: تتكرّر الإحالةُ إليه، وتُبنى النماذجُ عليه، وتُضبط الإجراءاتُ وفقه، حتى يصير المرجعَ العمليَّ الأقرب، ويبدو السؤالُ عن مصدره سؤالًا متأخّرًا لا حاجةَ إليه.

تكرارُ التطبيق يصنع واقعًا، لا مصدرًا.

وقد يبلغ الأمرُ ما هو أدقّ: أن يصير النصُّ الداخليُّ هو الذي تُقرأ من خلاله النصوصُ الأعلى منه؛ فلا يبقى شارحًا لها، بل يصير حاجبًا بينها وبين القرار — فيُفهم الأصلُ على وفق ما قرّره الفرع، بدل أن يُفهم الفرعُ في حدود الأصل الذي أذن به.

ومع ذلك قد لا يظهر الخللُ في قرارٍ بعينه. فالملفّاتُ مكتملة، والتواقيعُ في مواضعها، والمسارُ يجري كما رُسم. لكنّ انتظامَ الإجراء لا يجيب عن السؤال السابق عليه: أكان للنص الذي رسم هذا الطريقَ أن يرسمه أصلًا؟ فالإجراءُ المتقنُ لا يصلح نقصَ الولاية، وجودةُ ما جرى تحت النص لا تمنحه سلطانًا لم يكن قائمًا فوقه.

فإذا حمل النصُّ إلى القرار سلطةً فوق ما يملك مصدرُه، أعطاه مظهرَ السند لا حقيقتَه؛ ولا ينكشف غيابُ السند ما دام العملُ جاريًا، بل حين يُردّ النصُّ إلى أصله فلا يُوجد فيه ما يحمله.

فأوّلُ ما يُسأل عنه النصُّ ليس: ماذا يقول؟ بل: بأيّ حقٍّ يقول؟

فإذا ثبت للنص سلطانُه، بقي السؤالُ الذي تفتحه الحلقةُ التالية: وماذا يفعل هذا النصُّ في القرار؟