خصّ نصٌّ القراراتِ الاستثماريةَ الواقعةَ خارج الخطة المعتمدة بمعالجةٍ تسبق استكمالَ مسارها. وكان حدُّه ظاهرًا لا يحتمل قراءتين: ليست العبرةُ بحجم القرار ولا بأهمّيته، بل بوقوعه خارج الخطة. وقد حمل النصُّ مرادَه على وجهه؛ فليست المسألةُ في صياغته.
ثمّ استقرّ في العمل أن تمرّ قراراتٌ داخل الخطة بالمعالجة نفسها؛ لأنّ الفحصَ الزائد أحوط، ولأنّ توحيدَ المعاملة أيسرُ من التفريق بين الحالات. ولم يخالف أحدٌ النصَّ، ولا ادّعى أنّه يشمل ما لم يشمل؛ بل بدا أنّ الجهةَ تزيد في الوفاء به. ومضت على ذلك سنون.
ثمّ مضى قرارٌ داخلَ الخطة بغير تلك المعالجة، فقُيّدت على صاحبه مخالفة. فلمّا طُلب النصُّ الذي يُدخل حالتَه في هذا المسار، لم يوجد نصٌّ يشمله. فلم يكن قد خرج على حكم؛ خرج على توسّعٍ لم يقرّره أحد.
وهنا لا يعود السؤال: ماذا صنع النصُّ في القرار؟ فقد عُرف فعلُه. وإنّما:
إلى أين يبلغ هذا الفعل، وأين يقف؟
فالنصُّ لا يسري لمجرّد التشابه بين الوقائع، ولا لأنّ الغايةَ التي يحقّقها نافعةٌ في غيرها، ولا لأنّ توحيدَ المعاملة أسهلُ في التشغيل. فالنطاقُ جزءٌ من الحكم نفسه، لا ظرفٌ يحيط به. ومن مدّ حكمَ النص إلى واقعةٍ لم يتناولها، لم يطبّقه تطبيقًا أوسع؛ بل أضاف باسمه حكمًا لم يقرّره.
ويُقرأ النطاقُ من أربع جهاتٍ تجتمع في الواقعة الواحدة.
أوّلها: من يخاطبه الحكم؟ فقد يتوجّه النصُّ إلى جهةٍ بعينها، أو فئةٍ محدّدة، أو صاحب دورٍ معلوم. ولا ينتقل حكمُه إلى غير المخاطَب لقرب عمله منه أو تشابه مسؤوليته معه. وقد تكون فائدةُ الحكم صالحةً لمن لم يُخاطَب به؛ لكنّ صلاحيةَ الغاية لا تعني أنّ النصَّ خاطبه بها — وهذا فرقٌ لا يزول بحسن الغاية.
وثانيها: ما محلُّ الحكم؟ فقد يعالج النصُّ نوعًا محدّدًا من القرارات أو التصرّفات أو العلاقات. وتشابهُ حالةٍ جديدةٍ مع المنصوص عليها يدعو إلى النظر في حكمٍ يناسبها، ولا يُدخلها في الحكم القائم. فموضوعُ النص حدٌّ، لا مثالٌ مفتوح.
وثالثها: متى يعمل الحكم؟ فللنص زمنٌ يدخل فيه على الوقائع وزمنٌ يخرج منها؛ قد يرتبط بمدّةٍ، أو بمرحلةٍ، أو بحالٍ يستمرّ ما دامت قائمة. وبقاءُ النموذج، أو إعدادٌ في النظام لم يُحدَّث، أو مسارٌ اعتاده العاملون — لا يمدّ في عمر الحكم. فالذي بقي قد يكون الأداةَ، لا الحكم.
ورابعها: ما الحالُ التي يستدعي الحكمَ عندها؟ فقد يتعلّق النصُّ ببلوغ حدّ، أو تحقّق خطر، أو قيام علاقة، أو وقوع ظرفٍ مخصوص. وليست هذه تفاصيلَ حول الحكم؛ بل الأبوابُ التي يدخل منها إلى الواقعة. وقد تتطابق حالتان في الجهة والموضوع والزمن، ثمّ تدخل إحداهما وتخرج الأخرى؛ لأنّ الحالَ التي عُلّق عليها الحكمُ تحقّقت في الأولى دون الثانية.
ولا تعمل هذه الجهاتُ منفصلةً؛ فلا تكفي مطابقةُ ثلاثٍ إذا خرجت الواقعةُ عن الرابعة.
ومن هنا يجيء أخفى الانحرافات: أن يلبس التوسّعُ ثوبَ الاحتياط. يقال: وما الضررُ أن نطبّقه هنا أيضًا؟ أو: الأولى أن يكون الجميعُ على مسارٍ واحد. أو: زيادةُ الفحص أكثرُ أمانًا. وقد يكون التوسّعُ نافعًا في ذاته، بل قد يكون أصلحَ للجهة من الحدّ القائم — لكنّ نفعَه لا يجعله من النص. فإن رأت الجهةُ أنّ الحكمَ ينبغي أن يشمل غيرَ ما شمل، فذاك بابٌ آخر: يُوسَّع النطاقُ ممّن يملك توسيعَه، لا أن يُحمَّل النصُّ القديمُ ما لم يحمله.
الاحتياطُ داخل نطاق النص امتثال؛ أمّا توسيعُ حكمه إلى ما لم يشمله فليس امتثالًا أشدّ، بل إنشاءٌ لحكمٍ جديد. ولا يقع الخللُ بالتوسيع وحده. فقد يضيق التطبيقُ عمّا قرّره النص: يُحصر المخاطَبون في فئةٍ أضيق، أو تُستبعد واقعةٌ داخلةٌ في موضوعه، أو يُقصَر زمنُه قبل انتهائه، أو تُعامَل حالٌ متحقّقةٌ كأنّها لم تقع. فالتوسيعُ يضيف حكمًا لم يوجد، والتضييقُ يهدر حكمًا موجودًا.
ولهذا لا يُسأل عن التطبيق: أهو أحوطُ أم أيسر؟ بل: أيقابل حدَّ الحكم حدُّ الواقعة؟ فإن تقابلا عمل النصُّ في موضعه؛ وإن افترقا، لم يصلح بينهما تشابهٌ ولا اعتيادٌ ولا حسنُ قصد. فالنصُّ قويٌّ داخل حدوده، ولا يصير أقوى بالخروج منها.
فإذا عُرف أين يبدأ حكمُ النص وأين ينتهي، بقي ما هو داخلَ هذا النطاق نفسه: بأيّ قوّةٍ يعمل؟