نصٌّ قائمٌ يقول عن إدارةٍ متخصّصة:

«تراجع الإدارةُ المقترحَ قبل رفعه إلى صاحب الصلاحية.»

ثمّ أُعيد تحريرُ العبارة في نسخةٍ لاحقةٍ فصارت:

«توافق الإدارةُ على المقترح قبل رفعه إلى صاحب الصلاحية.»

لم تتغيّر الإدارة، ولا موقعُها في الهيكل، ولا صاحبُ الصلاحية الذي ينتهي إليه القرار. ومرّ التعديلُ بوصفه ضبطًا للعبارة يجعلها أوضح.

لكن في النص الأوّل كانت الإدارةُ تنظر في المقترح وتكشف ما يظهر لها، ثمّ يبقى لصاحب الصلاحية أن يتلقّى نظرَها ويحسم. وفي الثاني لم يعد المقترحُ يبلغه حتى تمرّ عليه موافقتُها. فبقي اسمُ صاحب الحسم في موضعه، وصار شيءٌ ممّا يملك موقوفًا على رضا جهةٍ لم تكن تملك إلّا أن ترفع إليه.

ولم يُسأل: أتريد أن تُجعل هذه الجهةُ بابًا على ما يبلغك؟ ولم يُعرض التغييرُ بوصفه نقلًا في الاختصاص. فقد دخل من بابٍ أصغرَ من ذلك كلِّه: تعديلِ كلمة.

وهنا يظهر ما تخصّ به ألفاظُ الأدوار في نصوص الحوكمة. فالمصطلحُ الذي يُسند فعلًا إلى جهةٍ لا يصف عملَها؛ بل يرسم حدَّ سلطتها في القرار.

فالاختصاصُ لا ينتقل حين تتغيّر الجهةُ وحدها؛ بل قد ينتقل حين يتغيّر ما قيل إنّها تفعله.

ولذلك لم تكن الفروقُ بين أفعال الأدوار فروقًا تحريريةً محضة. فإذا صار ما كان نظرًا يُبدى منعًا للمرور، دخل في القرار أثرٌ لم يكن فيه. وإذا صار ما كان رأيًا يُرفع رضًا يُنتظر قبل أن يبلغ الملفُّ صاحبَه، انتقل جزءٌ من الحسم إلى موضعٍ آخر. وإذا عُومل العلمُ بالقرار كأنّه إذنٌ به، أُعطي من جُعل له أن يعلم ما لم يُجعل له أن يحسم.

والاتجاهُ المقابل لا يقلّ خطرًا. فقد يبقى النصُّ يقول إنّ جهةً بعينها «تعتمد»، ثمّ يصير ذلك في العمل توقيعًا يلحق قرارًا اكتمل عند من أعدّه أو أوصى به؛ فيظلّ صاحبُ الاعتماد ظاهرًا في الوثيقة، والحسمُ قد استقرّ قبله. فتنتقل السلطةُ أحيانًا بتوسيع الفعل، وتنتقل أحيانًا بإفراغه.

ولهذا التحوّل طريقان، ولكلٍّ خفاؤه.

فالأوّلُ أن تتغيّر الكلمةُ في النص. وهنا وثيقةٌ يمكن الرجوعُ إليها؛ لكنّ الخطرَ أن يمرّ التغييرُ تنقيحًا لغويًّا، والذي تبدّل في الحقيقة مقدارُ ما تملكه الجهةُ في القرار. فليس السؤال: أصارت العبارةُ أدقّ؟ بل: ماذا انتقل مع الكلمة الجديدة؟

والثاني أن تبقى الكلمةُ ويتبدّل أثرُها في الممارسة. فلا يتغيّر في النص حرف، ثمّ يصير من جُعل له أن يُحاط علمًا محطةً لا يمضي الملفُّ حتى يمرّ عليها؛ فلا يُطلب منه رضًا صريح، لكنّ غيابَ المرور عليه يوقف المسار. وهنا لا توجد وثيقةٌ أعلنت التحوّلَ أصلًا.

فالأوّلُ يتخفّى في تعديل كلمة، والثاني في اعتيادٍ لم يغيّر كلمة. وفي الحالين يبقى الرسمُ التنظيميُّ كاملًا، وتبقى مصفوفةُ الصلاحيات في مكانها، وتستمرّ أسماءُ الجهات كما هي.

ومن هنا كانت ألفاظُ الأدوار أمانةً على توزيع السلطة قبل أن تكون دقّةً لغوية. فليس للقارئ أن يجعل «المراجعة» موافقةً احتياطًا، ولا أن يجعل «الاعتماد» إجراءً شكليًّا تيسيرًا؛ فما أسنده النصُّ إلى الفاعل حدٌّ ممّا يملكه في القرار، لا اقتراحٌ لغويٌّ يُزاد فيه ويُنقص بحسب ما استقرّ عليه العمل. والممارسةُ تكشف ما يفعله الفاعل، ولا تملك أن تعيد كتابة الفعل المسنَد إليه.

فقد يبدو الفرقُ بين كلمةٍ وأخرى صغيرًا على الصفحة، وهو الفرقُ بين من يرفع الرأيَ ومن يمنع المرور، وبين من يهيّئ القرارَ ومن ينعقد عنده.

تكفي كلمةٌ تنتقل من «يراجع» إلى «يوافق»؛ فيبقى الهيكلُ ثابتًا، وتتبدّل السلطةُ داخله.

وبهذا يستقيم توزيعُ الأدوار في النص الواحد. لكنّ القرارَ لا يجد أمامه نصًّا واحدًا دائمًا؛ فأيُّها يحكم حين تتعدّد؟