كان أمام صاحب القرار ملفٌّ تحكمه وثيقةٌ عُدّلت قبل أشهر. وفي مجلّد الفريق نسختان: أقدمُ اعتادها العاملون وبُنيت عليها النماذج، وأحدثُ أُدخل فيها حكمٌ يغيّر طريقَ هذه الحالة.
فبلغته النسخةُ الأولى. ولم يكن قد قلّب النسختين ثمّ انتقى إحداهما؛ بل كانت المألوفةُ هي التي حضرت بين يديه — وكانت أيضًا هي التي تمضي بالحالة على الوجه الذي استقرّ عليه نظرُه. ولو كانت الأخرى هي المألوفة، لما كان في المسار ما يدفعه إلى طلب الأولى.
ثمّ ظهرت النسخةُ الأحدث. فلم يكن السؤال: أللعبارتين معنيان مختلفان؟ بل: أكانتا أصلًا نصّين حاكمَين لهذه الواقعة في الوقت نفسه؟ فالقديمةُ كانت موجودةً متداولةً قريبةً إلى اليد، ولم تكن هي التي تحمل الحكمَ إلى هذه الحالة. فالأقربُ إلى اليد ليست بالضرورة الأقربَ إلى الحكم.
ومن هنا تبدأ مسألةُ التعدّد من موضعٍ أدقَّ من كثرة الوثائق. فقد يجد القرارُ أمامه أكثرَ من نصّ، وأكثرَ من نسخة، وأكثرَ من موضعٍ يُرجع إليه — ولا يعني ذلك أنّ أمامه أحكامًا متساويةً يختار من بينها.
فقد يكون التعدّدُ ظاهرًا: نسخةٌ انتهى حكمُها وبقي ملفُّها، أو صيغةٌ لم تُرفع من التداول، أو نموذجٌ ما زال يردّد ما كان قائمًا. وقد يكون حقيقيًّا: نصّان قائمان يدخل كلاهما على الواقعة، وتحتاج العلاقةُ بينهما إلى حسم. والفرقُ بين الحالين سابقٌ على كلّ حديثٍ عن الترجيح؛ فالنصُّ الذي لم يعد حاكمًا لا يصير طرفًا في التنازع لبقائه في المجلّد أو ظهور اسمه في البحث.
وقد تكون الصورةُ أخفى من بقاء نسخةٍ قديمة. يتغيّر الحكمُ في الوثيقة، ويبقى نموذجٌ أو مسارُ عملٍ أو خانةٌ في نظامٍ تحمل الحكمَ السابق. فيكون الجديدُ هو الحاكمَ في المرجع، والأداةُ تواصل دفعَ القرار في الطريق القديم. غادر الحكمُ الوثيقةَ، وبقي أثرُه في الأداة.
فقد يقرأ صاحبُ القرار النسخةَ الصحيحة، ثمّ يجد المسارَ من حوله يتصرّف بحكمٍ لم يعد قائمًا؛ فيبدو كأنّ النصوصَ تعدّدت، والذي تعدّد في الحقيقة ما تقوله الوثيقةُ وما تحمله أدواتُ التنفيذ.
ولهذا لا يكفي السؤال: ما النصُّ النافذ؟ فقد يكون النصُّ نافذًا في ذاته ولا يكون هو النافذَ الواجبَ التطبيقِ على هذه الواقعة بعينها. فليست العبرةُ بوجوده في المنظومة، بل بكونه هو الذي يحمل الحكمَ إلى القرار الذي بين يديك الآن.
فإذا بقي بعد هذا الفرز أكثرُ من نصٍّ قائمٍ ينطبق على الواقعة، لم يكن للقارئ أن يصنع العلاقةَ بينهما بما يلائم النتيجةَ التي يريد. بل تُحسم بسندٍ يُعرف ويُعلَن، وممّن يملك حسمَها؛ لا برغبةٍ تُملي أيَّهما يُقدَّم. وهنا يقع الانحرافُ الأخطر: أن تتكوّن النتيجةُ أوّلًا، ثمّ يُلتمس ما يحملها. فإن وُجد نصٌّ يسندها تُمسّك به، وإن وُجد آخرُ يدفع في طريقٍ مختلف وُصف بأنّه عامٌّ لا يخصّ الحالة، أو أنّ العملَ لم يجرِ به — لا لأنّ العلاقةَ حُسمت قبل القرار، بل لأنّ القرارَ سبقها.
وقد لا يكون في ذلك تعمّدٌ ولا تحايل. يكفي أن يصل الأقربُ إلى المراد أوّلًا، فيطمئنّ إليه القارئُ ولا يسأل عمّا وراءه. فالقرارُ يُقاس بما حمله، لا بما ظنّ صاحبُه قائمًا.
ولأنّ الخطرَ في الترتيب، كان موضعُ الحسم قبل أن يتكوّن القرار، لا عند البحث عن تبريره. فمن أخّر الفرزَ إلى ما بعد الميل، لم يعد يفرز نصوصًا تحكم الواقعة، بل يجمع حُججًا تحمل ما استقرّ عليه رأيُه. وفي الأوّل يُحسم السندُ ثمّ يتكوّن القرارُ تحته؛ وفي الثاني تتكوّن النتيجةُ ثمّ يُطلب لها سند.
فالحاسمُ يسأل: أيُّها يحكم؟ فيتّبعه وإن خالف مرادَه؛ والمنتقي يسأل: أيُّها يوافقني؟ فيتّبع مرادَه ويحتجّ به. فإذا حُسم أيُّ النصوص يحكم، بقي امتحانٌ آخر: أن يقوم النصُّ الحاكمُ نفسُه، ثمّ تختلف القراءاتُ في معناه. فمن يملك تفسيرَ النص؟