من المحضر إلى المشورة في الحوكمة تكبير الرسم
من المحضر إلى المشورة في الحوكمة

بين الصورتين مسافة كبيرة.

لكن القصة ليست أن وظيفة قديمة اختفت، ثم ولدت مكانها وظيفة جديدة.
الذي حدث أن الدور اتسع، وراكم فوق وظيفته الأصلية طبقات جديدة.

أولا: لم يتطور عدد المهام فقط

حين ننظر إلى تطور أمانة المجلس بوصفه قائمة مهام، يبدو الأمر بسيطا: كانت تكتب المحضر، ثم أضيفت إليها أعمال أخرى.
لكن التغير الأهم أعمق من ذلك.

تطور الأمانة لم يكن في عدد مهامها فقط، بل في موضوع مسؤوليتها: من الاجتماع، إلى سلامة الإجراء، إلى شروط القرار.

ولهذا يقرأ الدور في صورته الناضجة في ثلاث طبقات متراكبة: الأمانة تخدم الاجتماع، وتحرس سلامة الإجراء، وترعى شروط القرار.
ولا تلغي طبقة ما قبلها؛ والشواهد تدل على تراكم طبقات، لا على تعاقب مراحل تمحو كل منها سابقتها.

كلما نضجت الأمانة اتسع مجال نظرها تكبير الرسم
كلما نضجت الأمانة اتسع مجال نظرها

وليس هذا ترفا اصطلاحيا؛ فالصورة التي نحملها عن الأمانة هي التي تحدد من نختار لها، وأين نضعها، وما نطلبه منها.

ثانيا: الطبقة الأولى — خدمة الاجتماع

هذه أوضح صور الأمانة، وأكثرها حضورا في الممارسة: إعداد الاجتماعات، وتنسيق المواعيد، وتوزيع جدول الأعمال والأوراق، وإثبات ما دار، وإعداد المحاضر، وحفظ الوثائق والسجلات، والتنسيق بين الأعضاء.

هذه وظائف ضرورية.
فالمجلس الذي لا تصله أوراقه في وقتها، ولا يحفظ ما قرره، ولا يستطيع الرجوع إلى محاضره، ليس مجلسا أكثر حوكمة لأن أمينه انشغل بمهام «أعلى».
لذلك ليست المشكلة في السكرتارية المهنية نفسها.

المشكلة تبدأ حين تصبح خدمة الاجتماع هي الحد الأعلى لما نتصوره من الأمانة.

وسؤال هذه الطبقة: هل وصل البند؟ وهل انعقد الاجتماع؟ وهل وثق ما حدث؟ وهو سؤال باق حتى في أعلى صور الأمانة نضجا.

ثالثا: الطبقة الثانية — سلامة الإجراء

في عام ١٩٩٢، جاء تقرير كادبري البريطاني بصورة أوسع:

لأمين الشركة دور رئيس في ضمان اتباع إجراءات المجلس ومراجعتها دوريا؛ ويتاح لجميع الأعضاء الوصول إلى مشورته وخدماته، ومسألة عزله شأن للمجلس بكامله.

هنا تغير السؤال.
لم يعد يكفي أن نسأل: هل انعقد الاجتماع؟ بل صار السؤال: هل انعقد، وسار في الطريق الصحيح؟

  • هل اتبعت الإجراءات؟
  • هل وصل الموضوع إلى الجهة المخولة بالنظر فيه؟
  • هل عولج تعارض المصالح وفق القاعدة الحاكمة؟
  • وهل كان السجل الناتج صالحا للاعتماد عليه؟

هذه طبقة حراسة سلامة الإجراء.
والأمين فيها لا يقرر بدل المجلس، لكنه لم يعد مجرد ناقل لما يجري فيه.

إنه يحرس الطريق الذي يمضي عبره القرار.

ويظهر الفرق في مثال بسيط: عند عرض عقد استئجار مقر، ينظر العمل الإداري في الأمانة — أي طبقة خدمة الاجتماع — في وصول العقد ومرفقاته وإدراجه في الموعد؛ وينظر القانوني في جوازه وآثار شروطه ومخاطره القانونية؛ وتنظر الأمانة، في طبقة سلامة الإجراء، في الطريق الذي سلكه البند إلى المجلس.

الإداري يسأل: هل وصل؟ والقانوني يسأل: هل يجوز؟ والأمين يسأل: هل سار في طريقه الصحيح؟

رابعا: الطبقة الثالثة — رعاية شروط القرار

ثم اتسع الدور مرة أخرى.
فمنذ عام ٢٠٠٣ جعلت المدونة البريطانية المجمعة لحوكمة الشركات من مسؤولية أمين الشركة تقديم المشورة للمجلس، عبر الرئيس، في جميع شؤون الحوكمة.
ثم جاءت مدونة ٢٠٢٤ بصياغة أوسع لبيئة عمل المجلس؛ فقررت أن المجلس، بدعم من أمين الشركة، ينبغي أن يملك السياسات والعمليات والمعلومات والوقت والموارد التي يحتاجها ليعمل بفاعلية.

ويذهب إرشادها أبعد: مساعدة الرئيس في تطوير سياسات عمل المجلس وعملياته وتنفيذها «جزء جوهري من دور أمين الشركة».

والمدونة الماليزية، بعد أن وصفت التطور، قررت أن يدعم المجلس أمين مؤهل يقدم المشورة الحوكمية، ويعين على الالتزام بالقواعد والإجراءات، وعلى تبني أفضل ممارسات الحوكمة.

وهنا نصل إلى ما أسميه رعاية شروط القرار: ما يلزم ليقرر المجلس عن علم، ومن مسار صالح؛ ولا يدخل فيه صواب القرار نفسه.
فالأمانة لا تصير صاحبة القرار، ولا المستشار المالي، ولا القانوني، ولا الفني؛ لكن مجال نظرها يتسع:

  • هل المطلوب من المجلس واضح؟
  • هل المادة التي أمامه تمكنه من النظر؟
  • هل وصلت في وقت يكفي للنظر؟
  • هل وصلت إليه الخبرة التي يحتاجها؟

كلما نضجت الأمانة، اتسع مجال نظرها من الاجتماع إلى مسار القرار.

وهذه الطبقة هي التي قصدتها حين وصفت الصورة الناضجة للأمانة بأنها «دينامو الحوكمة حول القرار»: لا لأنها تحسم القرار، بل لأنها تساعد منظومته على أن تعمل من حوله.

موضوع المسؤولية: من الاجتماع إلى شروط القرار تكبير الرسم
موضوع المسؤولية: من الاجتماع إلى شروط القرار

وظهر اتساع المجال المهني حتى في هوية بعض مؤسساته؛ فأصبح «معهد الأمناء القانونيين» في أستراليا عام ٢٠١٣ «معهد الحوكمة الأسترالي»، وأصبح «معهد الأمناء القانونيين والإداريين» في بريطانيا عام ٢٠١٩ «المعهد القانوني للحوكمة»؛ وهي قرينة على اتساع المجال، لا دليل وحدها على سببه.

خامسا: البند واحد… لكن نطاق السؤال اتسع

لنأخذ مثالا توضيحيا: اعتماد الخطة السنوية.
البند نفسه تراه الأمانة بثلاثة أعماق؛ ففي خدمة الاجتماع تنظر في وصول الخطة وإدراجها وإرسال أوراقها وتسجيل ما انتهى إليه المجلس، وفي سلامة الإجراء تسأل عن اختصاص المجلس واستيفاء المسار وسلامة المداولة، وفي رعاية شروط القرار يتسع السؤال مرة أخرى.

البند واحد… لكن السؤال اتسع تكبير الرسم
البند واحد… لكن السؤال اتسع

البند واحد، لكن نطاق السؤال الذي تطرحه الأمانة هو الذي اتسع؛ وهذا هو الفرق بين تضخم المهام ونضج الوظيفة.

سادسا: الطبقات الجديدة لم تمح المحضر

المدونة الماليزية نفسها، التي صرحت بتطور الدور إلى مشورة الحوكمة، أبقت ضمن مسؤوليات الأمين إدارة اجتماعات المجلس ولجانه، وتسجيل محاضرها، وتيسير الاتصال بينها.

المحضر بقي؛ الذي تغير أنه لم يعد القصة كلها.

سابعا: الدور اتسع أسرع من صورته

لكن تطور النصوص والمهنة لا يعني أن تصور الدور تطور بالسرعة نفسها.
وفي كثير من الممارسات عندنا، تجاوزت الأمانة خدمة الاجتماع، ثم وقفت عند حراسة الإجراء.

وليست هذه الفجوة ملاحظة محلية فقط؛ فقد نقل معهد الحوكمة الجيدة البريطاني عام ٢٠١٦ نتائج تقرير نشرته شركة لينتستوك والمجموعة البرلمانية لحوكمة الشركات عام ٢٠١٢.
وفي سؤال واحد عن طبيعة دور أمين الشركة، وصف ٣٣٪ من الأمناء دورهم بأنه استراتيجي، مقابل ١٠٪ فقط من أعضاء المجالس.
وفي المقابل، رآه إداريا ٢٥٪ من الأمناء مقابل ٧١٪ من أعضاء المجالس.

قد يتطور الدور أسرع من صورته تكبير الرسم
قد يتطور الدور أسرع من صورته

فقد تتغير النصوص، وأسماء الإدارات، بل ومسميات المهنة، وتبقى الصورة اليومية للأمانة مشدودة إلى الاجتماع والمحضر, ولماذا يحدث ذلك؟ هذه قراءة مهنية لأسباب محتملة، لا نتيجة سببية أثبتتها تلك الدراسة: مساحة الأمانة تتشكل بمن نختاره للدور، وبكيف نصمم موقعه واختصاصه، وبما يتوقعه المجلس منه.
فإذا بقيت هذه الثلاثة مشدودة إلى خدمة الاجتماع، تغير الاسم أسرع من الوظيفة.

ثامنا: اتساع الدور لا يعني امتلاك القرار

حين تنتقل الأمانة من خدمة الاجتماع إلى سلامة الإجراء، ثم إلى رعاية شروط القرار، يزداد تأثيرها.
لكن التأثير ليس سلطة قرار: فالأمانة لا تختار للمجلس ما ينبغي أن يقرره، ولا تحل محل أهل الاختصاص في مادة القرار، ولا تضمن أن النتيجة التي انتهى إليها المجلس هي الأفضل.
الطبقة الثالثة ترفع جودة شروط النظر، ولا تمنح الأمانة ملكية النتيجة.

حد الطبقة الثالثة تكبير الرسم
حد الطبقة الثالثة

وهذا الحد ليس تفصيلا؛ فكلما اتسعت قيمة الأمانة، صار ضبط حدودها أهم.

الخلاصة

لم يتوقف أمين المجلس عن كتابة المحضر؛ لكن عمله، في صورته الناضجة، لم يعد يبدأ عند افتتاح الاجتماع، ولا ينتهي عند توقيعه.

ولهذا لم يعد السؤال فقط: هل للأمانة محضر جيد؟ بل صار قبله سؤال أوسع:

هل للمجلس مسار قرار جيد؟

الأمانة تخدم الاجتماع · تحرس سلامة الإجراء · ترعى شروط القرار

وبعد هذه السلسلة سأفتح بإذن الله بابا آخر طلبه مني أكثر من شخص: حوكمة اللجان نفسها؛ لا من زاوية الاجتماعات، بل من زاوية السلطة والمخرج ومآله.

المصادر

١.
حكم محكمة الاستئناف الإنجليزية في قضية «بارنت ضد شركة ترامات جنوب لندن» (١٨٨٧)؛ وموضوع الحكم حدود سلطة الأمين في إلزام الشركة، لا دوره الحوكمي، ويستشهد به هنا على الصورة التاريخية للوظيفة فقط.

٢.
هيئة الأوراق المالية الماليزية، المدونة الماليزية لحوكمة الشركات (٢٠٢١)، الممارسة ١٫٥ والإرشاد ١٫٥.

٣.
تقرير لجنة كادبري (١٩٩٢)، الفقرة ٤٫٢٥ ومدونة الممارسة ١٫٦، نسخة المعهد الأوروبي لحوكمة الشركات (ECGI).

٤.
مجلس التقارير المالية البريطاني، المدونة المجمعة لحوكمة الشركات (يوليو ٢٠٠٣)، المبادئ الداعمة للقسم A.5 «المعلومات والتطوير المهني».

٥.
مجلس التقارير المالية البريطاني، المدونة البريطانية لحوكمة الشركات (٢٠٢٤)، المبدأ I والحكم ١٦؛ وإرشاد المدونة (٢٠٢٤)، الفقرتان ٨٠ و٨٥.

٦.
معهد الحوكمة الأسترالي، صفحة «من نحن»؛ والمعهد القانوني للحوكمة، بيان تغيير الاسم (٢٠١٩).

٧.
معهد الحوكمة الجيدة، «دور أمين الشركة في NHS» (٢٠١٦)، الفقرة ٢٫٢٫٣، نقلا عن لينتستوك والمجموعة البرلمانية لحوكمة الشركات، «Elevating the Role of the Company Secretary: Lessons from the FTSE All Share» (٢٠١٢)، ص٢٠.

صالح بن أحمد الغصنمصمّم أطر الحوكمة وصائغ وثائقها التنظيميةq.sv@hotmail.com