انتهى المقال السابق عند سؤال: من يصمم المسار الذي تشغله الأمانة؟ وغالبا ما نجيب عنه برسم هيكلي: هنا إدارة الحوكمة، وهناك أمانة المجلس، وبينهما خط يحدد من يتبع من.
لكن الخط التنظيمي يجيب عن شيء واحد فقط: من يرتبط بمن؟ ولا يجيب وحده عن أسئلة لا تقل أهمية: لمن ترفع الأمانة في شؤون المجلس؟ ومن يوفر مواردها؟ ومن يصمم القواعد التي تشغلها؟ وكيف تصل إليه العيوب التي تراها في التطبيق؟

ولهذا لا نجد في المصادر نموذجا واحدا لموضع الأمانة من إدارة الحوكمة يصلح لكل جهة.
ففي بعض النماذج تجتمع المشورة في الحوكمة وتحسين ترتيباتها مع تشغيل جدول الأعمال والأوراق والمحاضر والمتابعة في وظيفة واحدة؛ وفي نماذج أخرى تنفصل أمانة المجلس هيكليا عن وظيفة الحوكمة؛ وفي التنظيمات السعودية نفسها أكثر من طريقة في تعيين الأمين وموضعه، بل تنظيمات لا تتناول منصبه أصلا.
فالمربع وحده لا يكفي.

للأمانة ثلاث صلات: سلطة، وإدارة، وتصميم.

والخطأ أن تختزل الثلاث في خط واحد في الهيكل.

أولا: الوظيفة غير حاملها

حين نقول «أمانة المجلس» أو «إدارة الحوكمة»، يسهل أن نعامل الاسم كأنه الوظيفة نفسها؛ لكنه ليس كذلك.
فالوظيفة شيء، والوحدة أو الشخص الذي يحملها شيء آخر.
وتظهر هذه الفكرة بوضوح في مدونة جنوب أفريقيا لحوكمة الشركات (كينغ الخامسة)، التي تقرر أن خدمات الحوكمة المستمرة والدعم الوظيفي للجهة الحاكمة ولجانها قد يقدمها أمين الشركة أو مهني آخر؛ فالمهم وجود الوظيفة وما تؤديه، لا أن يحمل منفذها لقبا معينا.

وفي النموذج الحكومي البريطاني يجمع أمين المجلس نفسه بين جانبين: يقدم المشورة والدعم في شؤون الحوكمة، ويساعد في تنفيذ التحسينات في هيكلها وترتيباتها؛ ويعمل في الوقت نفسه في جدول الأعمال، والأوراق، والتسجيل، ومتابعة نقاط العمل.
أي أن التصميم والتشغيل يمكن أن يجتمعا.

وفي عينة من التنظيمات السعودية تنوع آخر: ففي هيئة تقويم التعليم والتدريب يعين المجلس أمينه، وفي هيئة الحكومة الرقمية يختار الأمين من منسوبي الهيئة بآلية يشترك فيها الرئيس والمحافظ، وفي تنظيمات أخرى لا يرد منصب الأمين أصلا.
وليست هذه قائمة حصر، ولا تعني أن أحد النماذج هو الأصل وما عداه استثناء؛ بل تعني شيئا أبسط: موضع الأمانة تصميم تنظيمي، وليس حقيقة واحدة تفرضها المهنة.
فيمكن لجهة أن تقرب وظيفة الحوكمة من أمانة المجلس، بل أن تجمعهما في حامل تنظيمي واحد، ويمكن لأخرى أن تفصل بينهما.

فالسؤال ليس: أي الرسمين أجمل؟ بل: هل تعمل الوظائف التي يحتاجها المجلس، وهل بقيت حدودها واضحة؟ وهنا نعود إلى القاعدة التي تحكم هذه السلسلة: الحوكمة تصمم المسار، والأمانة تحرس تشغيله، والتخصص يملك مادته، وصاحب السلطة يحسمه، والتأكيد المستقل يختبر فاعليته.
والهيكل لا يغير هذه الأفعال؛ هو فقط يوزعها على حامليها.

ثانيا: ثلاث صلات، لا خط واحد

المشكلة في سؤال «تحت من تقع الأمانة؟» أنه يجمع في كلمة «تحت» ثلاث علاقات مختلفة.

ثلاث صلات… لا خط واحد تكبير الرسم
ثلاث صلات… لا خط واحد

صلة السلطة

وتجيب عن سؤال: لمن ترفع الأمانة في شؤون المجلس، ومن يملك توجيهها في هذه الشؤون واعتماد قواعد عملها بحسب السند؟ وقد يكون صاحب هذه السلطة المجلس أو رئيسه أو غيرهما، بحسب النظام واللائحة والقرار المنظم.
ويقدم إرشاد المدونة البريطانية لحوكمة الشركات مثالا واضحا على أن هذه الصلة لا يلزم أن تطابق الخط الإداري؛ فأمين الشركة يرفع إلى الرئيس في شؤون حوكمة المجلس، مع إمكان أن تكون له علاقة رفع تنفيذية أخرى في مسؤولياته الأخرى.
ويذهب إرشاد الحوكمة في الإدارات الحكومية البريطانية أبعد من ذلك: أمين المجلس مسؤول أمام المجلس، ويرفع مباشرة إلى الوكيل الدائم، وله وصول مباشر إلى الرئيس وكبير الأعضاء غير التنفيذيين.
وتقرر كينغ الخامسة الفصل نفسه: في شؤون الجهة الحاكمة ولجانها يرفع أمين الشركة إليها عبر الرئيس، وفي مسؤولياته الأخرى إلى عضو الإدارة التنفيذية المعين لذلك.

الاستضافة ليست مرجعية.

فالجهة التي تستضيف الأمانة إداريا لا تكتسب، لمجرد هذه الاستضافة، حق توجيهها في شؤون المجلس.
وقد يكون للأمانة مدير إداري في جهة، ومرجعية وظيفية أخرى في شؤون المجلس، ولا تناقض في ذلك إذا عرف حد كل منهما.

صلة الإدارة

وهذه مختلفة: من يوفر الملاك الوظيفي؟ ومن يدير الموازنة؟ ومن يعالج الإجازات والخدمات الإدارية والتجهيزات؟ مسائل تحتاج حاملا إداريا، وقد يكون داخل الجهاز التنفيذي.

لكن خطر هذه الصلة أن يصير التحكم في الموارد تحكما في الوظيفة.

وهذا لا يعني أن الأمانة يجب أن تكون خارج كل جهاز إداري؛ فذلك ليس ممكنا دائما ولا مطلوبا بالضرورة.
المطلوب ألا نخلط السؤالين: من يدير موارد الأمانة؟ ومن يملك توجيهها في شؤون المجلس؟

صلة التصميم

وهي الصلة الأقل ظهورا في الرسم، والأكثر أهمية في هذا المقال.

فالأمانة ترى المسار وهو يعمل: ورقة تصل ولا يتضح المطلوب من المجلس فيها، وتوصية تخرج من لجنة ولا يظهر مآلها، وقاعدة تسبب المشكلة نفسها في أكثر من اجتماع، وقرار مشروط، كاعتماد المرحلة الأولى من الخطة السنوية، لم يحدد الترتيب المؤسسي من يحمل شرطه بعد القرار.

وليست هذه كلها مسائل تحلها الأمانة بنفسها؛ بعضها يكشف أن التصميم نفسه يحتاج إلى تغيير.

ومن هنا الصلة بين من يرى المسار في التشغيل ومن يصممه في الحوكمة.

وقد تكون وحدتان بعيدتين في الهيكل وقريبتين في العمل، وقد تجتمعان في إدارة واحدة ولا تتصلان إلا بالاسم.

القرب الوظيفي هو جودة هذه الصلات، لا المسافة بين المربعات.

ويقدم الهيكل المنشور للمركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي مثالا سعوديا مفيدا؛ إذ تظهر أمانة مجلس الإدارة مرتبطة بالمجلس، بينما تظهر وظائف الحوكمة والمخاطر والالتزام داخل الجهاز التنفيذي.

لكن الرسم يثبت الفصل الهيكلي فقط، ولا يخبرنا وحده هل تعمل صلة التصميم بين الطرفين جيدا أم لا؛ وهذا بالضبط سبب أن الهيكل لا يكفي للحكم.

ثالثا: اجمع ما يتعلم، وافصل ما يشهد

نعود إلى أفعال المسار، لا لتغييرها، بل لاختبار الهيكل عليها.
فالتصميم والتشغيل بينهما علاقة مختلفة عن بقية العلاقات: من يصمم مسارا ولا يرى كيف يعمل في الواقع قد يبني قاعدة أنيقة لا تعالج المشكلة الحقيقية؛ ومن يشغله يوميا من غير قناة تعيد ما يراه إلى التصميم قد يبتكر حلولا مؤقتة تتراكم حتى تصبح ممارسة أخرى غير مكتوبة.

ولهذا تحتاج العلاقة بينهما إلى حلقة راجعة.

الحلقة الراجعة تكبير الرسم
الحلقة الراجعة

والقيمة هنا ليست في أن يكون التصميم والتشغيل في صندوق واحد أو صندوقين؛ القيمة أن يتعلم كل منهما من الآخر.
ولهذا:

اجمع ما يتعلم، وافصل ما يشهد، واحم البطيء من العاجل.

يجوز أن يجتمع التصميم والتشغيل؛ بل قد يفيد الجمع حين يجعل من يصمم القاعدة أقرب إلى ما يحدث عند تطبيقها.
لكن هذه الميزة تحمل خطرين.
الأول هو الإيقاع: فتشغيل الأمانة يطلب جوابا اليوم (جدول غد، وورقة ناقصة، ومحضر ينتظر، وعضو يطلب معلومة، واجتماع طارئ)، أما التصميم فعمل أبطأ: مراجعة نمط متكرر، أو تعديل قاعدة، أو إعادة توزيع مسؤولية، أو إصلاح خلل لا يصرخ كل صباح.

العاجل لا يهزم التصميم بالحجة؛ يهزمه بالمقاطعة.

فإذا اجتمعت الوظيفتان من غير حماية لوقت التصميم، لا يحتاج أحد إلى قرار يلغي الحوكمة؛ يكفي أن يستمر العاجل في الوصول.
فلا يأكل التشغيل التصميم لأنه أهم، بل لأنه أعجل.
وخطر أن يصبح التشغيل كل ما يبقى من وظيفة الحوكمة خطر تصميمي في النموذج الجامع، لا ادعاء بأنه الحالة الشائعة في الواقع.

أما الخطر الثاني فهو الحكم.
فمن يصمم المسار ويشغله يملك معرفة ممتازة به، لكنه يصبح في الوقت نفسه صاحب مصلحة في صواب ما صممه.
ولهذا تكتمل القاعدة: من صمم المسار أخبر بما يمر فيه، وأبعد الناس عن الحكم المستقل على فاعليته.
فالتأكيد المستقل لا يفصل لأنه لا يستطيع التعلم من التشغيل، بل لأنه يؤدي وظيفة أخرى: يشهد على فاعلية ما صنعه غيره.
ولا نحتاج هنا إلى فتح ضمانات استقلاله؛ يكفينا أن يبقى خارج من صمم وشغل.

رابعا: اختبار الصلة

إذا لم يكن هناك موضع هيكلي واحد صحيح للأمانة، فكيف نحكم على النموذج الذي أمامنا؟ ليس بسؤال «أين وضعناها؟»، بل باختبار ما إذا كانت صلاتها وأفعالها تعمل.
خذ أي ترتيب تنظيمي: أمانة داخل إدارة الحوكمة، أو منفصلة عنها، أو شخصا واحدا يحمل أكثر من وظيفة في جهة صغيرة؛ ثم اسأل:

  • صلة السلطة: في شؤون المجلس، لمن ترفع الأمانة؟ ومن يملك توجيهها واعتماد قواعد عملها؟ وهل يوضح السند ذلك، أم يستنتج من موقعها الإداري فقط؟
  • صلة الإدارة: من يستضيف الأمانة ويوفر مواردها؟ وهل بقيت هذه الاستضافة في حدودها، أم تحولت إلى حق توجيه في وظيفة المجلس؟
  • صلة التصميم: هل تصل الملاحظات التي تكشفها الأمانة عن المسار إلى من يصممه في سجل يمكن مراجعته؟ وهل تعود المعالجة إلى التشغيل قاعدة معتمدة، أم تبقى حلولا شفوية متفرقة؟
  • حد الجمع: إذا اجتمع التصميم والتشغيل، فما الذي يحمي وقت التصميم من عاجل التشغيل؟ ومن يختبر فاعلية المسار من خارج من صممه وشغله؟ وأين كتب هذا التوزيع كله: في وعاء حاكم واحد، أم في وثائق متفرقة؟

هذه أداة المقال، ولا تعطي جوابا واحدا عن شكل الهيكل؛ فقد ينجح بها نموذج يجمع الوظيفتين، وينجح بها نموذج يفصلهما.
لكنها تكشف بسرعة نموذجا يبدو منظما على الورق بينما مرجعيته مختلطة، أو تصميمه معزول عن التشغيل، أو تقييمه يعود إلى من صنعه.

وهنا تظهر حاجة صغيرة لكنها حاسمة.
فإذا توزعت الأفعال بين أكثر من وحدة، لا يكفي أن يصف كل طرف دوره في وثيقته الخاصة:

إذا توزعت الأدوار بين الوثائق بلا وعاء حاكم واحد، توزعت معها حقيقة المسار.

فقد تقول لائحة الأمانة شيئا، وتقول مهام إدارة الحوكمة شيئا آخر، ويبقى موضع التداخل بلا مالك واضح.

ولهذا يحتاج التوزيع إلى وعاء حاكم واحد معتمد.

الوعاء الحاكم الواحد تكبير الرسم
الوعاء الحاكم الواحد

لكل فعل مالك واحد، وإن تعددت الوحدات.
والمقصود بمالك الفعل مالك مسؤوليته، لا أن يعمل وحده؛ فقد يشارك آخرون، وقد يستشار أكثر من طرف، لكن يجب أن يبقى معلوما من يملك التصميم، ومن يملك التشغيل، ومن يرفع، ومن يعتمد التغيير، ومن يختبر.

وهذا امتداد لما مضى في السلسلة: سلطة الإيقاف لم نقبل أن تستنتج من المهنة، ومتابعة القرار لم نقبل أن تضاف إلى الأمانة من غير إسناد؛ وهنا أيضا لا يصح توزيع الوظيفة إلا بوعاء حاكم واحد.

فإذا توزعت الوظيفة، فلا تتوزع حقيقة توزيعها.

خامسا: الحد

هذا المقال لا يقول إن الحوكمة والأمانة يجب أن تجتمعا، ولا إنهما يجب أن تنفصلا.
ولا يقول إن المربع الأعلى في الهيكل هو الأكثر استقلالا، ولا يحدد ضمانات الاستقلال؛ فهذا للمقال الثامن.
ولا يفتح صور اختطاف وظيفة الأمانة إلى القانونية أو الالتزام أو مكتب المسؤول؛ فهذا سؤال المقال السابع.

ولا يبني نموذج الجهة التي لا مجلس لها، حيث تتغير المرجعية نفسها؛ فهذا للمقال التاسع.

والمطلوب هنا أضيق: مهما كان الرسم التنظيمي، يجب أن نعرف كيف تعمل صلات الأمانة، ومن يملك أفعال المسار، وأين كتب ذلك.

الخلاصة

السؤال عن موضع أمانة المجلس مشروع، لكنه لا يكفي.
فقد تكون الأمانة قريبة من إدارة الحوكمة في الرسم وبعيدة عنها في التعلم، وقد تكون منفصلة عنها إداريا وما تراه في التشغيل يصل إلى التصميم ويعود إليها قاعدة واضحة.
وقد تستضيفها جهة تنفيذية من غير أن تصبح مرجعيتها في شؤون المجلس.
وقد يجتمع التصميم والتشغيل من غير مشكلة، ما دام وقت التصميم محميا، وبقي الحكم المستقل خارجهما.

فللأمانة ثلاث صلات: سلطة، وإدارة، وتصميم؛ والقاعدة التي تحكم علاقتها بالحوكمة: اجمع ما يتعلم، وافصل ما يشهد، واحم البطيء من العاجل.

الهيكل يرسم الصناديق؛ أما الحوكمة فتحتاج أن تعرف ما يجري بينها.

هل تعرف أين تقع أمانتك…

أم تعرف كيف تعمل صلاتها؟

السلطة · الإدارة · التصميم · حد الجمع

المصادر

١.
وزارة الخزانة البريطانية ومكتب مجلس الوزراء، «الحوكمة في الإدارات الحكومية المركزية: مدونة الممارسة الجيدة»، إصدار عام ٢٠١٧، الفقرتان ٣٫٨ و٤٫١١.

٢.
مجلس التقارير المالية البريطاني، إرشاد المدونة البريطانية لحوكمة الشركات، إصدار عام ٢٠٢٤، الفقرتان ٨١ و٨٥.

٣.
معهد المديرين في جنوب أفريقيا، مدونة جنوب أفريقيا لحوكمة الشركات (كينغ الخامسة)، إصدار عام ٢٠٢٥، الممارستان الخامسة والثمانون والسابعة والثمانون، في خدمات الحوكمة التي يقدمها أمين الشركة أو مهني آخر، والفصل بين خطي الرفع.

٤.
تنظيم هيئة تقويم التعليم والتدريب، المادة السابعة، الفقرة الثالثة؛ وتنظيم هيئة الحكومة الرقمية، المادة الثامنة، الفقرة السابعة؛ وتنظيم الهيئة السعودية للمراجعين والمحاسبين الصادر عام ١٤٤٢هـ، ولا يرد فيه منصب أمين المجلس؛ شواهد على تنوع التصميم لا حصرا له.

٥.
المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، الهيكل التنظيمي المنشور، مثالا على الفصل في الرسم، لا على جودة الصلات.

صالح بن أحمد الغصنمصمّم أطر الحوكمة وصائغ وثائقها التنظيميةq.sv@hotmail.com