بنيت المقالات السابقة حول أمانة مجلس: هيئة جماعية لها أعضاء، وجدول، ومداولة، وقرار، وأمانة تحفظ مسارها.
وفي المقال الثامن وصلنا إلى ضمانات تحمي هذه الوظيفة: من يعين ويعفي؟ وإلى من يصل السؤال؟ وأين يكون التصعيد؟ ومن يقيم؟ لكن ماذا لو لم يوجد مجلس أصلا؟
ينظر هذا المقال إلى حالة محددة: جهة لا مجلس لها، وتكون مرجعيتها النهائية فردية، بينما تمر موضوعاتها عبر لجان ووحدات متعددة قبل الحسم.
وهذا ليس خارج تصور الحوكمة العامة؛ فالدليل الاسترشادي لحوكمة الجهات العامة يعرف «الإدارة الإشرافية» بأنها السلطة المهيمنة على شؤون الجهة، سواء كانت مجلس إدارة أو لجنة إشرافية أو وزيرا أو محافظا أو من في حكمهم.
ولا يعني ذلك أن صناعة القرار كلها فردية؛ فكثير من الموضوعات تسبقها لجان، وتصل فيها توصيات، وتعمل لجان أخرى بتفويض، وتتحرك الموضوعات بين وحدات فنية وقانونية ومالية قبل أن تبلغ من يملك الحسم.
فتكون المرجعية النهائية فردية، بينما يظل مسار صناعة القرار جماعيا ومتعددا.
حين لا يجمع مجلس مسار القرار، يجب أن تجمعه قاعدة مكتوبة.
وهنا لا نبحث عمن «يحل محل المجلس» بالاسم؛ نبحث عن شيء أدق: أين تنتهي السلطة؟ وكيف يصل إليها القرار؟
أولا: المرجعية فردية… وصناعة القرار ليست فردية
غياب المجلس يغير بنية المسار.
ففي جهة المجلس هيئة تجمع في موضع واحد أشياء عدة: المداولة، والقرار الجماعي، وسجل المحضر، ومسار وصول الموضوعات، وبعض ضمانات الأمانة.
أما حين تكون المرجعية النهائية فردا، فتتوزع هذه الوظائف: قد تعد لجنة موضوعا، وتراجعه أخرى، وترفع ثالثة توصية، وتكون رابعة مفوضة أصلا في قرار محدد؛ ثم يصل بعض ذلك إلى المسؤول الأول، وينتهي بعضه قبل الوصول إليه لأن التفويض منح لجنة سلطة الحسم.
كثرة اللجان لا تجعل المرجعية جماعية.
فالاجتماع الجماعي لا يصنع سلطة جماعية من تلقاء نفسه؛ واللجنة لا تملك إلا ما يمنحه سند تشكيلها أو تفويضها، وما زاد على ذلك يعود إلى صاحب السلطة.
والأدق ألا نصنف اللجان بأسمائها؛ فقد تسمى لجنة «تنفيذية» وهي استشارية في موضوع، وقد تملك لجنة «فنية» قرارا محددا بتفويض.
ما ينبغي تصنيفه هو مخرجها في المسألة المعروضة: هل خرجت منها مادة تحضيرية أو تنسيق؟ أم توصية تحتاج حسما؟ أم قرار صدر داخل تفويض؟ وهذا تصنيف تصميمي، لا تصنيف نظامي عام.
اسم اللجنة لا يحدد سلطتها؛ سندها ومآل مخرجها يفعلان.
وهذه جملة نعود إليها في سلسلة «حوكمة اللجان»: هنا نحتاج منها ما يحفظ مسار القرار، وهناك نفتح من أين تستمد اللجنة سلطتها أصلا.
وهنا تتغير حماية الوظيفة أيضا.
ففي المجلس رأينا نصوصا تحمي بعض جوانب منصب الأمين نفسه، ولا يصح أن نستنسخها وننقلها إلى بيئة مختلفة.
والأقرب، بقراءة تصميمية لا بحكم نظامي عام على الوزارات، أن تنتقل الحماية من حماية المنصب إلى صرامة الإجراء.
وبهذا نجيب عن أسئلة المقال السابق من غير أن ننقل ضماناته حرفيا: فالتعيين والإعفاء لا تملكهما الجهة المستضيفة لمجرد أنها تستضيف الوظيفة، بل يحدد السند التنظيمي المعتمد من يملكهما وحدودهما.
والوصول ليس «وصولا إلى المجلس»، بل طريق معلوم إلى صاحب الحكم في المسألة: المسؤول النهائي، أو لجنة مفوضة داخل حد تفويضها.
وإذا تعطلت القناة لأن وسيطا يمنع الموضوع من الوصول، فالتصميم يحتاج طريق تصعيد معلوما إلى صاحب السلطة نفسه؛ أما إن كان الإشكال في صاحب السلطة، فلا نخترع داخل الجهة سلطة أعلى لم يمنحها النظام.
والموارد تبقى شرطا لقدرة الوظيفة، والحكم المستقل على فاعلية النظام لا يترك لمن يصممه ويشغله.
ثانيا: الخطر ليس تعدد اللجان… بل انقطاع الشبكة
قد تكون الجهة منظمة في كل لجنة على حدة، ويبقى مسار القرار بين لجانها ضعيفا: الأولى تجتمع بانتظام، والثانية تكتب محاضر ممتازة، والثالثة لها قرار تشكيل واضح؛ لكن موضوعا واحدا قد يدور بين أكثر من لجنة ولا يرى أحد الصورة كاملة.
وقد ترفع لجنة توصية ثم لا يعرف أحد ماذا حدث لها.
وقد تنفذ إدارة توصية كأنها قرار، لأن الفرق بين «أوصت اللجنة» و«اعتمد المسؤول» ضاع في الانتقال.
وقد تصدر لجنة قرارا مفوضا، ويبقى السجل صامتا عن حد التفويض الذي صدر داخله.
وقد تستمر لجنة بعد انتهاء السبب الذي أنشئت له؛ تجتمع، ولم يسأل أحد إن كان غرضها ما زال قائما.
تكبير الرسمالخطر ليس كثرة اللجان؛ بل ألا يرى أحد ما يحدث بينها.
وهنا تظهر وظيفة لا يراها من ينظر إلى كل لجنة منفردة: رؤية الشبكة؛ أي معرفة أين تتكرر الموضوعات، وأين تتداخل الاختصاصات، وأين انقطعت توصية عن مآلها، وأين بقيت لجنة بعد غرضها، وأين قرار بلا صلة واضحة بسنده.
وهذا لا يعني إنشاء سجل جديد لكل شيء، بل حفظ الصلة بين ما ناقشته اللجنة، وما خرج منها، وما آل إليه مخرجها.
ويمكن تسمية هذه الوظيفة «ذاكرة المسار بين اللجان»؛ والاسم للوظيفة، لا لسجل جديد.
وهي لا تنافس «ذاكرة القرار» التي مررنا بها في المقال الخامس، بل تمد النظر من قرار واحد إلى انتقاله بين أكثر من هيئة.
فالذي نحتاج إلى حفظه ليس تواريخ الاجتماعات، بل الطريق: أين بدأ الموضوع؟ وماذا أضافت اللجنة؟ وماذا خرج منها؟ ومن استلمه؟ ومن حسمه؟
ثالثا: من يرى الشبكة؟
كل لجنة تعرف، في أحسن الأحوال، ما يدخل إليها وما تخرجه هي.
لكن التصميم يحتاج موضعا يرى اللجان مجتمعة ومآلاتها, وليس لازما أن يسمى هذا الموضع «أمانة اللجان»، وقد يتوزع بطريقة أخرى بحسب حجم الجهة وبنيتها وسلطاتها.
لكن إذا صممت أمانة مركزية للجان لتحمل هذه الوظيفة، فقد تكون هذه قيمتها الحوكمية الأعلى: ألا تكتفي بخدمة الاجتماعات، بل تكشف الانقطاع بين المسارات.
وعندنا شاهد سعودي محدود لكنه مفيد في إثبات إمكان الرؤية المجمعة، لا في فرض نموذج عام: فالأمانة العامة للجان نظام المنافسات والمشتريات الحكومية تقدم الدعم والمساندة لعدد من اللجان، وتصنف القرارات التي تصدر عنها، وتتابع مؤشرات أدائها، وتعد إحصائية سنوية عن أعمالها وقراراتها.
وهي أمانة لنظام خاص ولجان تنظر في دعاوى، وليست نموذجا لأمانة لجان الوزارات عموما.
والقيمة في الشاهد ليست موقع الأمانة ولا اختصاصها، بل أن جهة واحدة تستطيع أن ترى أكثر من لجنة بوصفها مجموعة، لا اجتماعات منفصلة.
أما في غيرها فالسؤال التصميمي يبقى مفتوحا: من يرى الشبكة؟ فإن لم يستطع أحد الإجابة، فهذه فجوة تستحق النظر قبل أن نناقش اسم الوحدة التي ستعالجها.
رابعا: اختبار مآل اللجنة
ليس المعيار أن نملك قائمة محدثة بأسماء اللجان، ولا أن نعرف عدد اجتماعاتها، ولا أن تكون محاضرها محفوظة.
خذ أي لجنة، ثم تتبع مآلها ومآل ما يخرج منها:
- بأي سند وجدت؟ من أنشأها، وما غرضها، وما حدود اختصاصها أو تفويضها؟
- ما الذي خرج منها في المسألة؟ مادة أو تنسيق، أم توصية، أم قرار صادر داخل تفويض؟
- من يملك الخطوة التالية؟ إن كان المخرج توصية فمن يحسمها؟ وإن كان قرارا فما حد التفويض الذي سمح به؟
- أين انتهى آخر مخرج لها؟ هل قبل، أو عدل، أو رفض، أو أعيد، أو بقي بلا حسم؟ وهل يمكن تتبع ذلك من السجل القائم؟
- ومتى تنتهي اللجنة نفسها؟ هل أنشئت لمدة أو لغرض؟ ومن يقرر أن الغرض اكتمل، أو أن استمرارها ما زال لازما؟
والأمانة في هذا الاختبار لا تحكم على سلطة اللجنة؛ تجعل سندها ومخرجها ومآله ظاهرا لمن يملك الحكم.
ولو صدر القرار الجاري معنا في جهة لا مجلس لها، فاعتمد المسؤول الأول المرحلة الأولى من الخطة السنوية بناء على توصية لجنة التخطيط، واشترط مراجعة التمويل، ثم أحال المراجعة إلى لجنة مالية، صار اختبار المآل أكثر ظهورا, فبأي سند أحيلت المسألة إلى اللجنة المالية؟ وما صفة ما يخرج منها: توصية أم قرار داخل تفويض؟ ومن يملك الحسم بعدها؟ وهل عاد مخرجها إلى المسؤول الأول، أم نفذ كأنه قرار نهائي؟ ثم: هل انتهى تكليف اللجنة بانتهاء المراجعة، أم بقيت تعمل بعد غرضها؟ في المجلس كان الشرط يعود إلى محضره؛ وفي الجهة التي لا مجلس لها لا يعود إلا إذا حفظت الشبكة طريقه.
تكبير الرسموالسؤال الخامس متعمد؛ فالحوكمة لا تسأل عن قابلية إقفال القرارات وحدها، بل عن المسارات المؤقتة التي تتحول مع الزمن إلى هياكل دائمة لأن أحدا لم يعد إلى سبب إنشائها.
اللجنة لا تعرف باجتماعها؛ تعرف بمآل ما يخرج منها.
نقف هنا عند ما يحتاجه مسار الأمانة؛ أما تصميم اللجنة نفسها، سندها وصفة مخرجها وبقاؤها، فنفتحه في سلسلة «حوكمة اللجان».
خامسا: أين نسكن هذه الوظيفة؟
وهنا نعيد سؤال المقال السادس في بيئة تغيرت فيها المرجعية: بعد أن عرفنا الوظيفة، أين نسكنها حين لا يوجد مجلس يوازن أثر الجمع؟ وهنا تصميم ممكن، لا نموذج ملزم: إدارة واحدة بمدير واحد، تحتها قسمان: قسم للحوكمة يصمم المسارات والمعايير ولوائح العمل، وقسم لأمانة اللجان يشغل الاجتماعات والأوراق والسجلات والمتابعة.
وميزته أن التشغيل يغذي التصميم: فالذي يشغل اللجان يرى الورقة التي تتكرر مشكلتها، والتوصية التي تضيع، والتفويض الذي يلتبس، واللجنة التي صار مسارها أثقل من غرضها؛ والذي يصمم يستطيع أن يحول ذلك إلى قواعد ومعايير أحسن.
لكن لهذا النموذج خطرا حقيقيا: فالمدير نفسه يصبح قريبا من تصميم المسار، ومن الجداول، ومن معيار جاهزية الأوراق، ومن السجل الذي يثبت ما حدث, وفي جهة لا مجلس فيها يوازن هذا التأثير، قد تتجمع قدرة غير رسمية كبيرة في موضع واحد.
فلا يكفي أن نقول: نجمع الحوكمة والأمانة لأنهما يتعلمان من بعضهما؛ بل نعود إلى القاعدة التي بناها المقال السادس: اجمع ما يتعلم، وافصل ما يشهد.
ويحتاج النموذج إلى شرطين حاكمين:
- أن نفصل داخل الجمع ما قد يبتلع بعضه بعضا: فلا يأكل عاجل الأمانة وقت التصميم، ولا يذوب مالك التصميم في التشغيل اليومي حتى يصير القسمان اسمين لعمل واحد.
- أن يخرج الحكم المستقل على الفاعلية ممن يصمم ويشغل: فالوظيفة قد ترى عيوبها وتحسنها، لكنها لا تصير بذلك شاهدا مستقلا على نجاح النظام كله.
تكبير الرسمكلما قلت الموازين الخارجية، وجب أن تكون الضمانات المكتوبة أوضح.
سادسا: الحد
هذا المقال لا يقول إن كل وزارة يجب أن تنشئ إدارة لأمانة اللجان، ولا إن أمانة اللجان يجب أن تتبع إدارة الحوكمة، ولا يفترض أن الجهات العامة السعودية تعمل بقالب واحد.
فالدليل الاسترشادي نفسه يترك للجهة تحديد الوحدة أو الإدارة المعنية بتطبيقه، ويربطها بالإدارة الإشرافية أو المسؤول التنفيذي أو من يفوضه بناء على مصفوفة الصلاحيات.
وقد تكون الجهة صغيرة فلا تحتاج إدارة مستقلة، أو قليلة اللجان فيكفيها تنظيم خفيف، أو كبيرة كثيرة اللجان فيصبح موضع الرؤية المجمعة أهم.
فالمطلوب ليس استنساخ هيكل، بل ألا تضيع بين الهياكل أربعة أشياء: سند اللجنة، وصفة مخرجها، وصاحب الحسم، ومآل ما خرج منها.
ولا يغلق هذا المقال سؤال من يحمل الوظيفة.
فبعد تسعة مقالات عرفنا ماذا تفعل الأمانة، وما الذي لا تملكه، وما الذي تحرسه قبل القرار وداخله وبعده، وأين تقع، وكيف تختطف، وما الذي يحمي استقلالها، وكيف يتغير البناء حين لا يوجد مجلس.
بقي سؤال أخير مختلف: من يصلح أن يحمل هذه الوظيفة؟ وهذا موضع المقال العاشر، الخاتمة التطبيقية.
الخلاصة
غياب المجلس لا يعني غياب الحوكمة، ولا يعني أن القرار يصير فرديا في كل مراحله.
فقد تكون المرجعية النهائية فردا، بينما يمر القرار عبر شبكة من اللجان والتخصصات والتوصيات والتفويضات.
وهنا لا نبحث عن «مجلس بديل»، بل عن مسار لا ينقطع: قاعدة مكتوبة تحدد من يملك ماذا، وسجل يحفظ الفرق بين التوصية والقرار، وموضع يرى الشبكة بدل أن ترى كل لجنة نفسها فقط، وأداة تتبع ما خرج من اللجنة إلى مآله، ثم تسأل إن كانت اللجنة نفسها ما زالت لازمة.
فالمشكلة ليست أن تكون في الجهة لجان كثيرة؛ المشكلة أن تتحرك القرارات بينها ولا يرى أحد الطريق كاملا.
إذا خرجت توصية من لجنة في جهتك اليوم…
هل تعرف أين ستنتهي؟
السند · صفة المخرج · صاحب الحسم · المآل · إقفال اللجنة
ولامس هذا المقال بابا أوسع من أن تحمله هذه السلسلة: اللجنة نفسها بوصفها وحدة في مسار القرار.
هل الإحالة إلى لجنة تنقل السلطة؟ متى تكون توصية اللجنة قرارا؟ ومن يملك إقفال لجنة انتهى غرضها؟ وهذا بإذن الله موضوع السلسلة التالية: «حوكمة اللجان: من قرار التشكيل إلى مآل المخرج».
المصادر
١.
مجلس الوزراء، الدليل الاسترشادي لحوكمة الجهات العامة، المنشور في جريدة أم القرى بتاريخ ٥ صفر ١٤٤٦هـ؛ في تعريف «الإدارة الإشرافية»، وفي قسم «سادسا: مسؤولية تطبيق الحوكمة في الجهة العامة» بشأن تحديد الوحدة أو الإدارة المعنية بالتطبيق وارتباطها.
٢.
وزارة المالية، مهام الأمانة العامة للجان نظام المنافسات والمشتريات الحكومية؛ شاهد ممارسة محدود على وظيفة تدعم أكثر من لجنة، وتصنف قراراتها، وتتابع مؤشرات أدائها، وتعد إحصاءات عن أعمالها وقراراتها؛ لا نموذجا عاما لأمانات اللجان في الجهات العامة.