انتهى المقال السابق عند سؤال لم يجب عنه: الورقة غير جاهزة؛ المطلوب غامض، أو رأي لازم غائب، أو المادة ناقصة.
فهل تعيدها الأمانة؟ أم تؤخرها؟ أم ترفعها وتظهر النقص فقط؟ ومن أين تأتيها أصلا سلطة أن تفعل أيا من ذلك؟
واجب الإظهار لا يسقط، وسلطة الإيقاف لا تفترض.
أن ترى الأمانة الخلل لا يعني أنها تملك إيقافه؛ وأنها لا تملك إيقافه لا يعني أن تمرره صامتة.
وهذا معنى العنوان: لا فيتو تستمده الأمانة من مهنتها وحدها… ولا صمت عن خلل هي مسؤولة عن إظهاره.
تكبير الرسمأولا: ليس كل ما تفعله الأمانة سلطة
كثير من الخلط في دور الأمانة يأتي من كلمة واحدة تحمل ثلاثة معان.
والأدق أن نفرق بين:
- ما تلزم به، وهو الصلاحية الرسمية: أن تلزم غيرها بفعل أو منع أو تأجيل.
ولا تنشأ من الخبرة ولا من المسمى ولا من أهمية الوظيفة؛ لا تقوم إلا بسند: نظام، أو لائحة، أو قرار مجلس، أو تفويض. - ما يجب أن تظهره، وهو واجب الإظهار: ألا يختفي الخلل من الرؤية.
ترى النقص، فتسميه، وتطلب معالجته، وتجعله ظاهرا لمن يملك الحكم.
وهذا ليس حق إيقاف، لكنه ليس حيادا أيضا. - ما تستطيع أن تؤثر فيه، وهو التأثير المهني: التحدي، والمشورة، والتنبيه، والتصعيد.
وقد يكون تأثير الأمين كبيرا جدا من غير أن يملك إلزاما.
تكبير الرسموالخطأ يقع في الاتجاهين: أن تستنتج الأمانة من واجبها سلطة لم تعطها، أو أن تستنتج من غياب سلطتها أنها معفاة من الواجب.
فالصلاحية تحرك الآخرين، وواجب الإظهار يحرك المعلومة، والتأثير المهني يحرك الحكم.
ثانيا: من يملك جدول الأعمال؟
قبل أن نسأل ماذا تفعل الأمانة بالبند الناقص، يلزم أن نعرف من يملك البند أصلا.
وفي لائحة حوكمة الشركات السعودية صورة دقيقة:
- رئيس المجلس يعد جدول الأعمال، مع الأخذ بعين الاعتبار أي مسألة يطرحها أحد الأعضاء.
- المجلس يقر جدول أعماله حال انعقاده، ولكل عضو حق اقتراح إضافة بند إليه، ومن اعترض على الجدول وجب إثبات اعتراضه في المحضر.
- المجلس يضع سياسة داخلية تبين إجراءات العمل فيه، وله أن يفوض أعمالا معينة إلى عضو أو أكثر من أعضائه، أو إلى لجانه، أو إلى غيرهم.
- اختصاصات أمين السر تحدد بقرار من المجلس.
والنتيجة أن من يملك إعداد الجدول ليس بالضرورة من يملك إقراره، ومن يشغل القاعدة ليس بالضرورة من يملك الاستثناء منها.
وورود التحقق من التقيد بالإجراءات، وتقديم العون والمشورة، ضمن اختصاصات أمين السر، لا يكفي وحده لإثبات حق حجب البند أو إيقافه.
وفي صياغة مقارنة قوية لدور الأمين، وهي مدونة الإدارات الحكومية المركزية في بريطانيا، يبقى الأمر كذلك.
فهي تجعل من مسؤولياته تحدي جودة أوراق المجلس وضمانها، وضمان اتباع الإجراء الواجب؛ لكنه يعمل تحت توجيه الوكيل الدائم، أعلى منصب إداري في الوزارة، ويعد جدول الأعمال ويتفق عليه مع الرئيس وكبير الأعضاء غير التنفيذيين.
فالأمانة هناك تشكل الجدول ولا تملكه.
سلطة الإيقاف يمنحها السند، ولا تمنحها المهنة.
وفي مجالس الجهات العامة، يحدد تنظيم الجهة ولائحة مجلسها أو القرار الحاكم لها من يملك الجدول والاستثناء؛ ولا يصح تعميم نموذج الشركات عليها.
ثالثا: بوابة بلا فيتو
إذا لم تكن الأمانة مالكة للجدول، فليست مجرد ممر أيضا.
موقعها الدقيق بوابة بلا فيتو:
- تفحص الاكتمال لا الصواب، وفق معيار مقر سلفا.
- تظهر النقص وتقيده.
- لا تحجب الموضوع صامتة، ولا تمرره صامتة.
- فإن منحتها قاعدة معتمدة حق إعادة البند أو إيقافه، مارسته بالسند لا بالمهنة.
وهنا ينتقل السؤال من «هل للأمانة فيتو؟» إلى سؤال أدق: هل صمم المجلس بوابته؟
المجلس يصمم قاعدة العبور، والأمانة تشغل ما أسند إليها منها، والاستثناء يملكه من عينه السند.
وهذه معادلة تصميمية مستخلصة من توزيع الاختصاصات، لا نص حرفي في اللائحة؛ فاللائحة لم توجب «بوابة جاهزية» بهذا الاسم، لكن سلطة المجلس في وضع سياسة إجراءاته، وفي التفويض، تجعل تصميمها ممكنا.
ومثالها التوضيحي:
«لا يدخل بند غير مستوف لمعيار الجاهزية إلى مسودة الجدول قبل الاجتماع إلا وفق آلية الاستثناء المعتمدة، دون إخلال بحقوق أعضاء المجلس المقررة نظاما».
فالمعادلة كلها في سطر: الإظهار واجب مهني، والإيقاف فعل سلطة.
رابعا: من يملك كل حكم؟
حين يكون البند ناقصا، لا يوجد حكم واحد، بل أربعة, ولكل حكم مالك، وترتيبها هو مسار البند الناقص نفسه:
- ما النقص؟ — الأمانة تكشف الانحراف عن معيار الجاهزية المعتمد وتظهره.
- ما سبب الاستعجال، وما أثر التأخير؟ — مالك المادة يقدم الدعوى ويسندها.
- هل يبرر ذلك الاستثناء؟ — يحسمه من عينه السند.
- ما القرار في الموضوع؟ — المجلس يقرر في المضمون.
تكبير الرسموالفصل بين المحطة الثانية والثالثة مقصود: مالك المادة يقدم دعوى الاستعجال، ولا يحكم فيها.
فليس كل نقص يبرر التأخير، وليس كل استعجال يبرر التمرير.
وعمليا يشتد التعارض في حالة واحدة: نقص مؤثر مع كلفة تأخير عالية.
هناك لا تحسم الأمانة وحدها أن النقص جوهري، ثم تحسم وحدها أن الاستعجال غير حقيقي.
والخطر يبدأ حين يجتمع في يد واحدة تعريف النقص، وتبرير الاستعجال، ومنح الاستثناء.
قد يجتمع حكمان عند شخص واحد في جهة صغيرة، لكن اجتماع الثلاثة يفرغ البوابة من معناها.
فإذا مضى البند رغم نقصه، لم يكن ذلك فشلا للأمانة، بشرط ألا يمضي خفيا:
إذا مر البند ناقصا، فليمر وعليه علامته.
ولنأخذ ورقة المرحلة الأولى من الخطة السنوية: إذا لم تكتمل مادة التمويل وفق معيار الجاهزية، ودفع مالك المادة بأن التأخير يفوت الموسم، فلا تحسم الأمانة أن الاستعجال يبرر المرور.
تظهر نقص التمويل، ويحسم من عينه السند الاستثناء؛ فإن مضت الورقة، دخلت المجلس وعليها علامتها.
وما يفعله المجلس بهذه العلامة — أيتجاوزها أم يعالجها أم يجعلها شرطا في قراره — فحكم يملكه المجلس.
أي أن يكون النقص ظاهرا أمام المجلس، ومثبتا حيث يلزم، في ورقة البند قبل الاجتماع أو في المحضر بعد المداولة، وقابلا للتتبع؛ لا أن يخترع له نموذج بعينه.
وفي المادة الثالثة والثلاثين نظير لفكرة الإظهار والتوثيق: إذا اعترض عضو على جدول الأعمال، وجب إثبات اعتراضه في المحضر.
خامسا: حد الأمانة
متى يكون النقص مؤثرا؟ لا نحتاج تعريفا جامدا: يقترب النقص من الجوهرية كلما أثر في قدرة صاحب السلطة على معرفة ما يقرر، أو في سلامة المسار الذي يقرر من خلاله.
غياب رأي قانوني في موضوع لا يحتاجه ليس نقصا؛ وغيابه في قرار تتوقف عليه مشروعيته نقص من نوع آخر.
وغياب مرفق شكلي لا يساوي غياب معلومة تغير المفاضلة نفسها.
وللأمانة اختبار بسيط تعرف به أنها ما زالت في حدها:
إذا تبدل موضوع البند من مالي إلى قانوني أو تقني وبقي سؤال الأمانة عن سلامة المسار وظهور النقص واحدا، فهي في حدها؛ أما إذا تحول سؤالها مع الموضوع إلى الحكم على صحة الرأي أو الحل، فقد دخلت مادة غيرها.
تكبير الرسمفالحياد تجاه النتيجة لا يعني الحياد تجاه خلل المسار.
سادسا: القوة ليست في المنع
الأمانة القوية ليست التي تعيد أكثر الأوراق، ولا التي تقول «لا» للجميع.
وقد تكون أمانة ضعيفة جدا مع كثرة ما تمنعه، إذا لم تفرق بين نقص مادي وتفضيل شخصي.
وقد يقع الاستيلاء بلا كلمة «رفض»: يكفي أن يبقى البند خارج الجدول لأنه «لم يجهز»، من غير قاعدة تمنح الأمانة هذا الحق.
وهذا هو الفيتو الخفي.
قوة الأمانة ليست في كثرة ما تمنعه، بل في دقة ما تكشفه، ووضوح ما تصعده، وانضباطها عند حد سلطتها.
فإذا عبر البند جاهزا، أو عبر وعليه علامته، بقي سؤال لا تجيب عنه الورقة ولا البوابة: هل سيتداول فيه المجلس فعلا؟
الخلاصة
حين يكون البند ناقصا، لا يكفي أن تعرف الأمانة أن فيه خللا.
عليها أن تعرف ما يجب أن تظهره، وما تستطيع أن تؤثر فيه، وما تملك أن تلزم به.
والجواب عن الثالث ليس في مهنتها، بل في قاعدة أقرها صاحب السلطة.
الأمانة الصامتة تمرر، والمستولية تحجب بلا سند، والحوكمية تظهر… ثم تترك الحكم لمن يملكه.
هل صمم مجلسك بوابته…
أم ترك أمانته بين الفيتو والصمت؟
ما تلزم به · ما يجب أن تظهره · ما تستطيع أن تؤثر فيه
المصادر
١.
هيئة السوق المالية، لائحة حوكمة الشركات: المادة السادسة والعشرون (البند السابع)، والمادة الثالثة والثلاثون، والمادة الرابعة والثلاثون (الفقرتان ب وج)، والمادة الخامسة والثلاثون.
٢.
وزارة الخزانة البريطانية ومكتب مجلس الوزراء، «الحوكمة في الإدارات الحكومية المركزية: مدونة الممارسة الجيدة»، إصدار عام ٢٠١٧، الفقرة ٤٫١١.